الْإِنْسانَ
« 1 » ، ففصّل بينهما ، [ وهو ] إنّما يقتضي أنّ القرآن غير مخلوق .
وممّا تعلّقوا به : إنّ قالوا : قد علمنا أنّ كون المتكلّم متكلّما يختصّ الحيّ ، فجرى مجرى كون القادر قادرا والعالم عالما ، وقد علمنا أنّ كلّ ما يختصّ الحيّ من الصفات على ضربين :
فضرب : يقتضي النقص ، فلا يوصف به القديم تعالى في كلّ حال .
والضرب الآخر : لا يقتضي النقص ، فهو تعالى موصوف به لم يزل ، فيجب على هذا أن يكون متكلّما لم يزل ، كما كان عالما قادرا لم يزل .
الكلام على ذلك يقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلا : القدر الذي اعتمدتموه ينتقض بالصائح والصارخ ؛ لأنّه قد خرج من جميع ما ذكرتموه من الآفة والسكوت ، ويجب أن يكون متكلّما .
وينتقض أيضا : بمن ابتدأت القدرة فيه ؛ لأنّه في تلك الحال غير ساكت ولا أخرس ولا متكلّم ، ومتى لم يذكروا في استدلالهم الآية ، واقتصروا على أنّ الحيّ متى لم يكن أخرسا ولا ساكتا وجب أن يكون متكلّما ، فربّما أوردوه على هذا الوجه أنّهم على ذلك الطفل ، ولزم العاجز الذي قد شمل العجز جميع جوارحه ؛ لأنّ هذا لا يوصف بالخرس ، من حيث كان الوصف بالخرس إنّما يجرونه على من اختصّ لسانه بالعجز دون سائر جوارحه ، كما أنّ المفتصد هو من اختصّ موضع من عروقه بالقطع مع سلامة باقيها ، ومن كان القطع شاملا لجميع عروقه لا يوصف بذلك .
والأظهر أنّ الأخرس هو من لحق لسانه فساد وآفة ، مع وجود القدرة فيها ، ويلحق من حلّ لسانه العجز بذلك لاشتراكهما في تعذّر الكلام عليهما .
فإن قالوا : أمّا الصّراخ والصّياح فلا يجوزان عليه تعالى ، ونحن نشرطها كما شرطنا الآفة والسكوت ، وأمّا ابتداء حال القدرة فنحن نخالفكم فيه ؛ لأنّ القدرة عندنا مع الفعل .
قلنا : ما استبان زيادة في استدلالكم فهو دالّ على الإخلال ، وهو الذي قصدناه ، وخلافكم في أنّ القدرة مع الفعل لا يغني شيئا ؛ لأنّ الخلاف منّا ومنكم يقتضي أنّه حاصل « 2 » غير مسلّم ولا ممهّد بيننا وبينكم ، وأنتم أوردتم الاستدلال إيراد من لا خلاف
هامش
( 1 ) . سورة الرحمن : 3 - 1 .
( 2 ) . في الأصل : أصل .