الأكوان « 1 » أجمع ، فألّا جاز مثل ذلك في الكلام ؟
وذلك أنّ هذا القول لم يخرج به عن المعقول ؛ لأنّ من جوّز في المقدور كونا « 2 » يخالف هذه الأكوان « 3 » الموجودة ، أثبته هيئة للمحلّ ، ومفتقرا إليه ، كما أثبت هذه الأكوان « 4 » المعقولة ، وإن كان ضدّا لها ، كتضادّها في أنفسها ، فعروض هذا القول أن يثبت له تعالى كلاما يضادّ أجناس الكلام المعقول ، إلّا أنّه يدرك ويسمع ويفتقر إلى المحلّ ، ويجري مع هذه الحروف المعقولة مجرى بعضها مع بعض ، وهذا خلاف ما يريدونه .
على أنّ هذا القول أيضا لا يصحّ ؛ لأنّ أجناس الحروف في مقدورنا ، ومن شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على ضدّه ونوعه إذا كان له ضدّ ونوع ، فلو كان في المقدور حرف مخالف لما تعلّقه ، لكنّا قادرين عليه ، والأكوان « 5 » غير داخلة تحت مقدورنا ، فتجويز ما يضادّ جميعها - أن يكون في مقدوره أيضا تعالى - غير ممتنع .
ولا يعترض على ما ذكرناه قول من يقول : إذا جاز أن تثبتوه تعالى متكلّما مخالفا لجميع المتكلّمين ، فألّا جاز إثبات كلامه مخالفا للمتكلّمين ، لم ينقص حقيقة كونه متكلّما ؛ لأنّ المتكلّم من فعل الكلام ، وقد يجوز أن يشترك في هذه الحقيقة الذوات المختلفة ، وقولنا كلام مخالف لسائر الكلام يتناقض ، وينفي أوّله آخره ؛ لأنّ من شأن ما هو كلام أن يكون من هذه الحروف المنظومة ، فإذا حقّقناه بأنّه يخالف سائر الكلام اقتضى ذلك خروجه عن هذه الأجناس ، ولهذا نقول : إنّه تعالى منعم مخالف للمنعمين ، ولا يجوز أن نقول : إنّ نعمته مخالفة للنعم .
ويلزمهم على هذه الشبهة أن يقولوا : إنّه جسم وإن خالف سائر الأجسام ، كما قالوا في متكلّم وغيره .
وأيضا : فلو كان له تعالى كلام قديم ، لوجب أن يكون مثلا له ومستحقّا لسائر ما يستحقّه تعالى من الصفات النفسية ، على ما دللنا عليه من قبل في باب الكلام في الصفات ، وهذه الطريقة تدلّ على نفي قدم كلامه على كلّ حال ، سواء كان مخالفا للكلام المعقول أو مماثلا .
هامش
( 1 ) . في الأصل : الألوان .
( 2 ) . في الأصل : لونا .
( 3 ) . في الأصل : الألوان .
( 4 ) . في الأصل : الألوان .
( 5 ) . في الأصل : الألوان .