بمتكلّم لا لنفسه ولا لعلّة ؛ لأنّ وجه الأدلّة قائم في الأمرين معا ، إلّا ما ذكرناه من اقتضاء ذلك ، لأنّ يكون ذاته بصفة الحروف ، فإنّ هذا الوجه خاصّة لا يتأتّى في هذا الباب .
وممّا يدلّ على فساد ذلك زائدا على ما تقدّم - أنّ كونه متكلّما لا يخلو من أن يكون واجبا في كلّ حال ، أو حصل في حال لم يلزم في قبلها .
والوجه الأوّل : يقتضي كونه كذلك لنفسه ؛ لأنّ هذه أمارة صفة النفس .
وإن كان الوجه الثاني : لم يخل من أن يجب في الحال التي يتجدّد كونه متكلّما فيها ذلك له ، كما نقوله في كونه مدركا ، ووجوب حصوله عند وجود شرطه ، أو أن يكون بذلك الحال ممّا يجوز أن يكون فيها متكلّما وغير متكلّم ، والشروط واحدة .
والوجه الأوّل : يقتضي أن يكون هناك أمر معقول يقتضي وجوب كونه متكلّما كما قلناه في وجود المدرك ، وقد علمنا أنّه لا شيء يعقل يقتضي وجوب كونه كذلك .
والوجه الثاني : يقتضي أن يكون متكلّما بكلام محدث ، كما قلنا بمثل ذلك في نظائره .
فصل في إبطال قدم كلامه تعالى
اعلم أنّ الخلاف في حدوث كلامه تعالى - مع الاعتراف بأنّه من جنس كلامنا ، وأنّه هو هذا المعقول المسموع - لا يكاد يقع من يحصل عن نفسه ، ولهذا نجد من يخالف على هذا الوجه مقلّدا مستسلما لا يصغي إلى الحجّة ، ولا يمكّن من المناظرة والموافقة ، وربّما خالفوا في العبارة مع تسليم المعنى ، وامتنعوا من إطلاق القول بحدوث كلامه تعالى ، ظنّا منهم أنّ في ذلك نقصا وتقصيرا به .
وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنّ أمارات الحدوث في الكلام أقوى وأظهر من أمارة الحدث في الأجسام والأعراض ؛ لأنّه يوجد ويعدم ، ويترتّب وجود بعضه على بعض ، وينقسم ويتجزّى ويضاف إلى العربية ، ومعلوم تجدّدها ، وقد وصفه اللّه تعالى بأنّه منزّل ، وأنّه محكم بقوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
« 1 » وبأنّه مفعول لقوله تعالى :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
« 2 » ، وصرّح بحدوثه « 3 » في قوله تعالى جلّ وعزّ :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ
هامش
( 1 ) . سورة هود : 1 .
( 2 ) . سورة الأحزاب : 37 .
( 3 ) . في الأصل : بحدثه .