مُحْدَثٍ
« 1 » ، و
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ
« 2 » بعد أن بيّن تعالى أنّ الذكر هو القرآن في قوله جلّ اسمه :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 3 » ، و
هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ
« 4 » .
وليس لأحد أن يقول : إنّما أراد به هاهنا الرسول لا القرآن ، مستشهدا بقوله تعالى :
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ
« 5 » .
وذلك أنّ « الذكر » لا يعرف استعماله في الرسول ، والآية التي تلاها « 6 » أكثر المفسّرين على أنّ « الذكر » فيها إنّما أراد به القرآن ، وإنّما نصب رسولا بإضمار فعل ، فكأنّه قال :
وأرسل رسولا ، ولا يقوّي ذلك أنّه قال :
أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا
، والإنزال لا يوصف به الرسول وإنّما هو من أوصاف القرآن ، وكيف يحمل ذلك على غير القرآن مع قوله تعالى :
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
« 7 » ؟ وظاهر قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ
« 8 » لا يستعمل إلّا فيما يتكرّر إتيانه ، والرّسول إلى أمّتنا واحد ، فلا يليق معنى « الذكر » في الآية إلّا بالقرآن .
وبعد ، فلو سلم أنّ « الذكر » مما يعبّر به من الرسول في بعض المواضع ، كان من المعلوم أنّه مجاز وتوسّع والأصل أن يكون عبارة عن الكلام .
فإن قالوا : الإتيان لا يليق بالكلام وإنّما يليق بالرسول .
قلنا : قد يستعمل ذلك في الكلام أيضا بالعرف ، وإذا سلّمنا أنّه مجاز كان حمل الآية عليه أولى من العدول فيها إلى ضروب من المجازات .
وممّا يدلّ أيضا : على حدوث ما يفعله من الكلام ، أنّه مدرك بلا شبهة ، فلو كان قديما لاستمرّ إدراكنا له ؛ لأنّ ما اقتضى إدراكه في بعض الأحوال لو كان شرطا في ذلك لا فرق فيه بين بعض الأحوال وبين سائرها .
وأيضا : فلو كان كلامه تعالى - وهو من جنس كلامنا بدلالة التباسه به على الإدراك قديما ، لوجب أن يكون كلامنا أيضا قديما ؛ لأنّ الجنس الواحد لا يجوز قدم بعض وحدوث بعض .
هامش
( 1 ) . سورة الأنبياء : 2 .
( 2 ) . سورة الشعراء : 5 .
( 3 ) . سورة الحجر : 9 .
( 4 ) . سورة الأنبياء : 50 .
( 5 ) . سورة الطلاق : 11 - 10 .
( 6 ) . في الأصل : تلوها .
( 7 ) . سورة الأنبياء : 2 .
( 8 ) . سورة الأنبياء : 2 .