البديهة - سلاحا مهمّا في دحر الخصوم ، حيث كان دليلا على أصالة المعتقد ، ونباهة المدافع ، وتمكّنه من أدوات المناظرة وإفحام الخصم ، ولذا يرى المتتبّع في كتب المناظرة أنّ لإسكات الخصم بسرعة الإجابة وفي مجلس المناظرة - ودون التروّي في قراءة أدلّة الخصم أو الاستمهال والتشاور مع الأصحاب - مقاما مهمّا ، ممّا أثار حفيظة بعض كتّاب السير والتراجم ، ممّن كانوا يجانبون الحقّ ويميلون إلى بعض المذاهب الكلاميّة أن ينسبوا بداهة جواب متكلّم إلى غيره ، أو ينتحلوا له مناظرة وإجابة واهية تبرز تفوقه على الخصم في مجلس المناظرة . فسرعة الإجابة والردّ على الخصوم كتابة أو مشافهة كانت دليلا على ديناميكيّة المذهب ، وقدرته في المنافسة مع الخصوم . ومن هنا نرى الشريف المرتضى لا يدع مجالا لخصمه أن يستريح ، فما أن تبدر منهم بادرة ، أو يخطر في فكرهم فكرة ، أو تسوّد لهم صحيفة ، إلّا وانبرى بالدفاع مشافهة أو مكاتبة أو مراسلة أو مناظرة ، فقد دافع عن معتقده أمام مجموعة كبيرة من الخصوم ، ومن مختلف الملل والنحل ، بدءا بأبي زكريّاء يحيى بن عديّ النصراني ، ومرورا بالملاحدة والمنجمين والمتكلّمين من أهل الإسلام أو ممّن انتسبوا إليه ، كالوعيدية والمجبرة والمشبّهة والأشاعرة والمعتزلة وغيرهم . وممّا يجدر الإشارة إليه أنّ جانبا مهمّا من آراء المرتضى الكلاميّة برزت وانتشرت خلال ردوده وأجوبته على آراء المعتزلة ، وبذلك خلّد لنا تراثا كلاميا ضخما .
ومن تراثه الذي سلم قسما كبيرا منه من عوادي الدهر ، كتاب الملخّص في أصول الدين ، ويعدّ من عيون كتبه الكلاميّة ، بل لا أغالي إذا قلت : إنّه مقدم على جميع كتبه الكلامية التي وصلتنا ؛ لاحتوائه معظم أبحاث باب التوحيد وصفات الباري ، وباب العدل ، وهما من أهمّ أبواب علم الكلام ، وموضع الأخذ والردّ والبحث والاستدلال ، وبل التفسيق والتكفير والاتّهامات المتبادلة بين أهل الحديث والمعتزلة والعدليّة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم من أصحاب النحل وأرباب المذاهب الكلاميّة ، أمّا الشافي في الإمامة فإنّه كتاب مبسوط ، لكنّه يختصّ بموضوع خاصّ ، وهو الردّ على فصل الإمامة من كتاب المغني للقاضي عبد الجبار الهمداني ، أمّا الذخيرة في أصول الدين فبرغم شموله على جلّ الأبواب الكلامية من التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد وما يتصل بها من سائر المسائل الكلامية ،
الملخص في أصول الدين — صفحة 28
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٢٨