وصف كتاب الملخّص في أصول الدّين
للشريف المرتضى رحمه اللّه كتب كثيرة وفي مجالات متنوّعة ، لكنّه كان قبل كلّ شيء فقيها ، حيث بدأ حياته العلميّة بقراءة الفقه على الشيخ المفيد ، واستمرّ يمارس الفقه ويدرّسها طيلة حياته ، وختم مسيرته أيضا بالفقه ، فقد توفّاه اللّه تعالى حينما كان شيخا ومرجعا للفتيا للطائفة الإماميّة ، إلّا أنّ شهرته في علم الكلام وتضلّعه في أصول الدين طغت على بقيّة مواهبه وملكاته ، فعدّ فقيها متكلّما أو متكلّما فقيها ، ولعلّ لهذه الشهرة نصيبا كبيرا من الحقيقة ، إذ حينما نلاحظ قائمة مؤلّفات الشريف نجد أنّ علم الكلام والمناظرة ومباحث أصول الدين يمثّل حيّزا كبيرا منها ، فقد كتب وألّف كتبا ورسائل عديدة حول مواضيع كلاميّة مهمّة كانت مطروحة عند المتكلّمين وأصحاب المذاهب الكلاميّة ومناصريهم في تلك القرون ، ومراجعة سريعة لتراث المرتضى الكلامي يبرز لنا نشاطه وقوّة اندفاعه في متابعة آراء خصوم الإماميّة ، والإجابة عنها بما يطابق والمذهب الكلامي الإمامي ، ولعلّ جانبا من هذا النشاط وقوّة الاندفاع وسرعة الإجابة ، أو اتّخاذ الموقف يعود إلى موقعه ومنصبه في المجتمع البغدادي وعند طائفته ، حيث كان زعيم الشيعة بلا منازع منذ أن توفّي شيخه وسلفه في الزعامة الشيخ المفيد عام 413 ه ، واستمرّ في زعامته إلى حين وفاته عام 436 ه ، أي مدّة تزيد على عقدين ، فقد كان مطالبا بإبداء رأيه في كثير من القضايا المثارة في تلك الأزمنة - وما أكثرها - وكانت مدرسة بغداد في تلك العصور - والتي تضمّ جنبا إلى جنب الخصوم الذين يكفّر أحدهما الآخر ، ويتبرّأ أحدهما من معتقدات الآخر - قبلة لمدارس بقيّة البلدان المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي - فالمسائل المثارة فيها ، والإجابات أو الحلول المطروحة من قبل أرباب المذاهب الكلامية كانت تنقل وبسرعة مدهشة إلى بقيّة البلدان ، فترى صدى آراء المشبّهة والمجبرة والقدرية والمعتزلة والإمامية وغيرهم ببغداد ، في مدن ما وراء النهر وحواضر خراسان العلميّة كطوس ونيسابور ، ومصر والشام والأندلس ، وكان على زعيم كلّ طائفة ، والمتبنّي للدفاع عن معتقداتها أن يتّخذ موقفا واضحا وصريحا يسكت بها الخصوم ، ويرفع من شأن معتقده ، وكان سرعة الإجابة - أو ما كان يعبّر عنها في تلك الأزمنة بسرعة