تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
5 . كان لدى الإمامية منذ بدايات القرن الثاني للهجرة مدرستان ، المدرسة الحديثيّة والمدرسة الكلامية . وكانتا متغايرتين في الأسلوب ونوعيّة الاستدلال ، إلّا أنّهما لم يكونا متضادّتين متخاصمتين - كما نجدها عند غير الإماميّة - والنتاج الملموسة لهاتين المدرستين هما كتابا تصحيح الاعتقاد للمفيد واعتقادات الإماميّة للصدوق ، وقياسهما لا يكشف لنا إلّا عمّا اشتركت فيه المدرستان وما اختلفتا فيه ، وأمّا الانتهاء بهذا القياس إلى تعليل الفرق الذي نجده في جانب المفيد بأنّه يرجع إلى تأثّره بالاعتزال ، فهو استنتاج ينقصه الكثير من مقوّمات الاستنتاج الصحيح ، المرتكز على دراسة صحيحة مستوعبة . وخلاصة الكلام : القول بأنّ الإمامية أخذت عن المعتزلة وتأثّرت بهم فيما اتّفقت معهم في العقيدة ، لا أقول فيه سوى أنّه باطل لا أساس له من الصحّة جملة وتفصيلا ، ولا سند له من دراسة عقائد الإماميّة والأسس التي قامت عليها تلك العقائد « 1 » . نعم يجب التفريق في المسائل الكلاميّة بين المسائل التي تمسّ العقيدة مباشرة كالإمامة والعصمة وغيرها ، وبين ما لا يكون كذلك ، كالمسائل التي كانوا يعبّرون عنها يوم ذاك ب ( اللطيف من الكلام ) ، الذي ذكر الشيخ المفيد كثيرا من عناوينها في آخر كتابه أوائل المقالات « 2 » . أمّا القسم الأوّل فإنّ الأدلّة التي قدمناها أفادت أنّ الإماميّة لم يأخذوا عقائدهم من المعتزلة ، ولم يحكمهم التشبيه والجبر يوما ما قبل أن يتصلوا بالمعتزلة ، وأمّا التأثّر في مثل المسائل القسم الثاني ، أو التأثّر في نوعيّة الاستدلال في المسائل المتّفق عليها فلا نمنعه ، بل توجد شواهد كثيرة على وقوعه ، ولكنّه تأثّر وتأثير متقابل ، والذي يحزّ في النفس إغفال تأثّر النظّام وأبي الطيّب المعتزليين وغيرهما بهشام بن الحكم مثلا ، والاهتمام - بل التضخيم - بتأثّر المفيد بالمعتزلة ، ولعلّ الآثار التي تركها متكلّموا الإماميّة والمعتزلة على حدّ سواء ، إن كانت قد سلمت من الضياع ووصلت إلينا ، لكان لنا رأي آخر ، ولعلّنا كنا نرجّح حينئذ أنّ التأثّر في جانب الاعتزال بالإمامية كان أقوى وأكثر من تأثّر الإمامية بالمعتزلة « 3 » .
هامش
( 1 ) . تراثنا : العدد 30 - 31 ، ص 164 . ( 2 ) . أوائل المقالات : ، ص 72 فما بعد . ( 3 ) . تراثنا : ص 229 .