القائل إذا قال : « محمّد صلّى اللّه عليه وآله رسول اللّه » لا نقطع على أنّ قوله صدق حتى نعلم أنّه قاصد به إلى النبيّ - عليه السلام - بعينه ، ومتى قصد غيره كان كاذبا ؟
وليس يجوز أن يرجع في كون هذه الأخبار صدقا ، أو في أنّ الكذب لا يجوز عليه تعالى ، إلى ما يعلمه من دين الرسول - عليه السلام - وإلى إجماع الأمة ، وذلك أنّ نبوّة الرسول وإجماع الأمّة فرع في كونهما حجّة ، على كونه تعالى صادقا في أخباره ، وأنّ الكذب لا يجوز عليه ؛ لأنّ من لا يؤمن منه الكذب ولا شيء من القبائح ، لا يؤمّن أن يصدّق الكذّابين بالمعجزات ، ويخبرنا عن صحّة إجماع الأمّة ، وهو غير حجّة ولا دليل .
ثمّ يقال لهم : أتقولون إنّ كونه صادقا لنفسه ، يقتضي أن يكون مخبرا عن كلّ شيء على وجه الصدق ، حتى لا يبقى ما يصحّ أن يخبر عنه إلّا وقد أخبر عنه بالصدق ، أو يصحّ عندكم أن يكون صادقا في خبر دون آخر مع كونه صادقا لنفسه ؟
فإن قالوا بالأوّل ، ظهرت مكابرتهم لكلّ أحد ؛ لأنّ من المعلوم أنّ هاهنا مخبرات كثيرة ما أخبر القديم تعالى عنها ، وكيف يصحّ هذا وهو يقتضي وجود أخبار لا نهاية لها ؛ لأنّ المخبرات وجوهها لا تتناهى .
على أنّ هذا الوجه يقتضي من حيث كان عندهم متكلّما لنفسه ، أن يكون متكلّما بالصدق والكذب ؛ لأنّه إذا وجب من حيث كان صادقا لنفسه ، أن يكون مخبرا عن كلّ شيء على وجه الصدق ، [ ولزم ذلك دخول ] تلك الأخبار في باب الصدق ، [ و ] لزم أن يكون متكلّما بالكذب والصدق ؛ لأنّه متكلّم لنفسه ، والكذب داخل تحت الكلام كدخول الصدق .
وإن جوّزوا الاختصاص في أحد الأمرين ، لزم مثله في الآخر .
وبعد ، فلو وجب من حيث كان صادقا لنفسه ، أن يكون مخبرا عن كلّ شيء على وجه الصدق ، لوجب من حيث كان أمرا لنفسه عندهم أن يكون أمرا بكلّ شيء على كلّ وجه ، وهذا يقتضي امتناع كونه ناهيا عن شيء ، ويوجب كونه آمرا ناهيا بكلّ ما يصحّ أن يؤمر به وينهى عنه .
وإذا بطل أن يكون كونه صادقا لنفسه ، يقتضي إخباره عن كلّ شيء ، وجاز أن تبقى مخبرات لم يخبر عنها ، [ و ] لزم ما قدّمناه من أن يكون كاذبا في تلك ؛ لأنّه لم يخبر عنها
الملخص في أصول الدين — صفحة 416
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٤١٦