فإن قالوا : نحن نسمع يلتزم أنّه مكلّم لكلّ أحد ، لكن ممّن يصحّ أن يكلّمه ، وقد كلّم الجميع ، بأن كلّمهم وأمرهم / 113 / ونهاهم !
قيل لهم : لا شيء معقول من موجود ومعدوم يكون موقوفا منقوصا ، فإذا قاسوا الغائب على الشاهد في هذا الباب ، وجب أن يثبتوا للقديم « 1 » تعالى ، لانتفاء الخرس والسكوت عنه متكلّما على هذا الوجه ، وأيّ شيء راموا أن يفصّلوا به بين القديم تعالى ؟ وبيّنّا في هذا الوجه ، اعتمدناه بعينه فيما تعلّقوا به .
ومنها : إنّ نفي السكوت والخرس عن أحدنا في الشاهد ، كما يوجب كونه متكلّما ، فهو يوجب كونه فاعلا للكلام ، وأن يكون واقعا بحسب قصده وإرادته ، أو كون الكلام معقولا فيه على حسب ما يدّعيه المخالف ، وإذا أوجبوا كونه تعالى فيما لم يزل متكلّما من حيث انتفاء الخرس والسكوت قياسا على أحدنا ، فيجب أن يتوجّبوا كون كلامه فعلا وحادثا ، إمّا بأن يفعله أو يفعل له ، وإذا لم يجب ذلك فيه لو خالف الشاهد ، لم يجب إثباته متكلّما ، من حيث انتفاء الخرس والسكوت ، وفارق الشاهد .
وليس لهم أن يقولوا : على هذا الإلزام خاصّة إنّا لا نسلّم أنّ أحدنا لا يكون متكلّما ، إلّا بأن يفعل الكلام ؛ لأنّ اللّه تعالى لو اضطرّه إلى الكلام يفعله في لسانه لخرج عن الخرس والسكوت ، ولكان متكلّما .
وذلك إنّا قد بيّنّا فيما سلف أنّ المتكلّم لا يكون متكلّما إلّا بما يفعله من الكلام ، دون ما يفعل فيه .
ثمّ ، هذا إذا سلّمناه لا يغني شيئا ؛ لأنّ الشاهد يقتضي أنّ أحدنا لا يكون متكلّما إلّا بما يفعله من الكلام ويفعل فيه ، والغائب بخلاف ذلك ، فالإلزام متوجّه على كلّ حال .
ومنها : إنّ أحدنا بانتفاء الخرس والسكوت المعقولين عنه ، إنّما يجب أن يثبت له الكلام المعقول الذي هو من جنس الأصوات وقبيلها ، فإذا قاسوا الغائب على الشاهد في ذلك ، وجب أن يثبتوا كلامه تعالى من قبيل الأصوات ، وذلك يقتضي حدثه ونفي قدمه !
فإن قالوا : الخرس والسكوت اللّذان ينفيهما عنه تعالى فيما لم يزل ، ليس هما المعقولين المختصين « 2 » بجارحة الكلام .
هامش
( 1 ) . في الأصل : القديم .
( 2 ) . في الأصل : المختصّ .