الانتصاب كقولهم : « قام السيف على الأسطوانة » ، والتدبير كقولهم : « قام البلد بالأمير » ، لا يجوز على الكلام ، وقولهم : إنّ حدّ المتكلّم من له حكم كلام ، إحالة على مبهم ، والسؤال معه باق إذا قيل : وكيف صار الكلام له بأن حلّه أو حلّ بعضه أو أوجب له حالّا أو فعله ، فلا بدّ من التفسير ؟
واعلم أنّ قولهم له كذا يحتمل أمورا :
منها : إضافة البعض إلى الكلّ ، كقولهم : « له يد ورجل » ، وبمعنى الملك كقولهم : « له دار وغلام » ، وبمعنى الفعلية كقولهم : « له إحسان ونعمة » ، وبمعنى الحلول [ كقولهم : ] « له طعم ورائحة ولون » ، وما يحتمل أمورا مختلفة المعاني لا يجوز أن يحدّ به في الموضع الذي يتحرّى فيه التلخيص والتمييز وكشف الغرض .
فصل في إثبات كونه تعالى متكلّما والطريق إلى ذلك
اعلم أنّه لا بدّ من كونه جلّ « 1 » وعزّ قادرا على الكلام ، لما دللنا عليه من قبل ، من أنّ القادر لنفسه يجب أن يقدر على فعل كلّ جنس يتعلّق به قدر العباد ؛ ولأنّه تعالى قادر على أسبابه من الاعتمادات والمضادّات ، والقادر على سبب الشيء قادر عليه .
وليس لأحد أن يقول : إنّه « 2 » نمنع من ذلك من حيث ثبت أنّه متكلّم لنفسه أو بكلام قديم ، كما تمنعون أنتم من مثل ذلك في العلم وغيره .
وذلك لأنّ الذي أصّلوه لم يثبت ، بل ثبت ما ذكرناه ونذكر فساده ، ولو كان ثابتا كما ظنّوا ، لما منع من قدرته تعالى على الكلام ، وأن يفعله ويكون متكلّما مع أنّه متكلّم لنفسه ؛ لأنّه لا تنافي بين ذلك ولا وجه إحالة ، كما بيّنّا أنّ في قدرته على علم أو قدرة أو حياة توجبه له حالا وجه إحالة من قلب جنس أو غيره ، وإذا ثبت أنّه قادر على الكلام ، فلو فعله لكان متكلّما به ؛ لأنّ الحقيقة لا تختلف ، وقد بيّنّا أنّ حقيقة المتكلّم من كان فاعلا للكلام .
والطريق إلى إثباته تعالى متكلّما ، من أن يعلم وجود الكلام من فعله على حدّ ما نقوله في كونه محسنا ومنعما ورازقا وسائر ما يشتقّ من الفعل ، وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنّ الفعل الذي
هامش
( 1 ) . في الأصل : حبل .
( 2 ) . في الأصل : ان .