للمتكلّم بكونه متكلّما ، فكيف يقال : إنّه كذلك لنفسه ؟
وأيضا : فقد دللنا على أنّ المتكلّم هو من فعل الكلام ، وإذا قيل : إنّه متكلّم لنفسه كان هذا القول متناقضا ؛ لأنّ القول بأنّه متكلّم يفيد فعل الكلام ، والقول بأنّه لنفسه ينقض ذلك ويقتضي نفيه ، فجرى في التناقض مجرى قولنا : « إنّه محسن لنفسه » .
وأيضا : فلو كان متكلّما لنفسه ، ولا حالّ للمتكلّم من حيث كان متكلّما ، لوجب أن يكون ذاته بصفة الكلام المسموع ومن جنسه ، وهذا محال لاقتضائه كونه محدثا .
وأيضا : فهذا القول يوجب أن يكون بصفة الحروف كلّها مع تضادّها ، ووجه استحالة ذلك ظاهر .
وأيضا : لو كان متكلّما لنفسه ، لوجب أن يكون متكلّما بسائر أقسام الكلام وضروبه ؛ لأنّ ذلك ممّا يصحّ من كلّ متكلّم لا آفة به أن يتكلّم به ، وصفة النفس يجب شياعها في كلّ ما صحّت فيه ، وهذا يقتضي كونه متكلّما بالصدق والكذب ، ومخبرا عن كلّ ما يصحّ الإخبار عنه على سائر الوجوه ، وفي هذا من الاستحالة ما لا خفاء به ، مع أنّه يوجب عدم الثقة بسائر الشرائع والكتب ، ودافع لقوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
« 1 » .
وليس لهم أن يعتصموا من دخول الكذب كلامه ، بأن يقولوا : قد ثبت أنّه صادق لنفسه ، كصدقه في قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 2 » و
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
« 3 » ، وما شاكل ذلك من الأخبار التي وجدت مخبراتها على ما اقتضته الأخبار ، وإذا ثبت كونه تعالى صادقا لنفسه ، امتنع الكذب عليه ، كما يقولونه في امتناع كونه جاهلا من حيث أنّه عالم لنفسه .
والجواب عن ذلك أن يقال لهم : ومن أين لكم أنّه صادق في هذه « 4 » الأخبار ؟ والخبر لا يكون خبرا لصورته وصيغته على ما تقدّم في هذا الكتاب ، وما يؤمّنكم أن يكون هذه الأخبار لم يقصد بها إلى السماوات والأرض ، ولا إلى خلق الإنسان ، فلا يكون صدقا ، أو يكون مقصودا بها غير السماوات والأرض والإنسان ممّا يخلقه فيكون كذبا . ألا ترى أنّ
هامش
( 1 ) . سورة غافر : 78 .
( 2 ) . سورة ق : 38 .
( 3 ) . سورة الإنسان : 2 .
( 4 ) . في الأصل : هذا .