فالذي ندركه بعد مهلة هو غير الصوت الذي تولّد عن الصكّة « 1 » الأولى ؛ لأنّ ذلك إنّما لم ندركه لبعده ، فلمّا قرب بالتولّد أدركناه ، وكذلك أيضا ندرك الصوت في جهة الريح أقوى ؛ لأنّه يتولّد فيها حالا بعد حال ، فيكون إلى إدراكه أقرب ، وإذا كانت الريح في خلاف جهته ضعف إدراكه ، وإنّما لم ندركه إذا تولّد فيما يبعد عنه البعد المخصوص المانع من الإدراك .
ولا يجوز على الأصوات البقاء ؛ لأنّها لو بقيت أدركناها « 2 » مع السلامة وارتفاع الموانع ، كما يستمرّ إدراكنا للألوان « 3 » ، ومعلوم خلاف ذلك .
ولو كان مدركا على الاستمرار لم يقع عنده فهم الخطاب ؛ لأنّا كنّا ندرك حروف الكلمة مجتمعة ، فلا تكون الكلمة بأن تكون دارا ، بأن يكون أولى من رادّ « 4 » ، ولو كان الكلام باقيا لكان لا ينتفي إلّا بفساد محلّه ؛ لأنّه لا ضدّ له من غير « 5 » نوعه ، والأصوات لا تقع من أفعال العباد إلّا متولّدة .
والذي يدلّ على ذلك : تعذّر إيجادها عليه إلّا بتوسّط الاعتماد والمضادّة ؛ ولأنّ الأصوات تقع بحسب ذلك ، فيجب أن تكون ممّا لا يقع منّا إلّا متولّدة كالآلام .
والكلام ممّا لا يوجب حالا للمتكلّم ؛ لأنّه لو أوجب حالا له لوجب أن يكون إلى إثباتها طريق من ضرورة واستدلال ، و « 6 » معلوم تعذّر ذلك .
وأيضا : فكلّ معنى أوجب للحيّ حالا ، فإنّه يصحّ العلم بتلك الحال ، من غير علم بالمعنى ، كما نعلم القادر قادرا ، والعالم والمريد والحيّ ، قبل العلم بالمعاني الموجبة لهذه الأحوال ، وفي تعذّر العلم بأنّه متكلّم إلّا بعد العلم بكلامه دليل على أنّه لا يوجب حالا .
وأيضا : فلو كان « 7 » هناك حال ، لكان العلم بأنّه متكلّم موقوفا عليها ، وكان لا يمتنع أن نعلمه متكلّما إذا لم نعلمه على تلك الحال ، ممّن لم يعلم تعلّق الكلام به ووقوعه بحسب أحواله ، أو يعلم تعلّق الكلام به من لا يعلمه متكلّما ، إذا لم يعلمه على تلك الحال ، وفساد ذلك ظاهر .
وبعد ، فلا فرق بين من ادّعى في الكلام أنّه يوجب حالا ، وبين من ادّعى ذلك في
هامش
( 1 ) . في الأصل : الصلة .
( 2 ) . في الأصل : أدركنا لها .
( 3 ) . في الأصل : للألون .
( 4 ) . في الأصل : رادا .
( 5 ) . في الأصل : غيره .
( 6 ) . في الأصل : أو .
( 7 ) . في الأصل : كانت .