والكلام المفيد كلمة يرجع إلى معنى الخبر ؛ لأنّه لا يخلو من أن يكون لفظه لفظة الخبر أو معناه كذلك .
ومتى تأمّلت ضروب الكلام ، التي طوّل الناس بذكر أحكامها ، وجدتها لا يخرج عمّا ذكرنا ؛ لأنّ الجحود والقسم والتشبيه والتمنّي والتعجّب كلّه من باب الخبر المحض ، فأمّا الأمر فيفيد كون الآمر مريدا للفعل ، فمعناه معنى الخبر ، والنهي يفيد إنّه كاره للفعل ، فهو أيضا راجع إلى معنى الخبر والسؤال والطلب والدعاء يجري هذا المجرى .
فأمّا العرض فهو سؤال على الحقيقة ، والنداء اختلف فيه :
فقيل : معنى « يا زيد » أعني زيدا وأدعو زيدا ، وهذا يكون على الحقيقة خبرا .
وقيل : المراد به أقبل يا زيد ، وعلى هذا المعنى يدخل في أقسام الأمر .
وأمّا التحضيض : فهو في معنى الأمر ، لأنّه ينهى عن إرادة المحضّض للفعل .
فصل في بيان حقيقة كون المتكلّم متكلّما
اعلم أنّ التكلّم هو يوقع الكلام الذي قدّمنا بيان حقيقته بحسب أحواله ، من قصد وإرادته ، أو دواعيه واعتقاداته أو غير ذلك من الأمور الراجعة إليه ، ويجوز أن يقال في ذلك حقيقة أو تقديرا على التفسير السالف في هذا الكتاب ، ولمّا كان وجب وقوعه على هذا الوجه ، يجب أن يكون فعلا له وحادثا من جهته ، [ و ] جاز أن يقال : إنّ حقيقة المتكلّم من فعل الكلام انتهاء إلى غاية ما يقتضيه هذه الفائدة ، ولعلمنا بأنّ أهل اللغة لو علموا اقتضاء هذا التعلّق المخصوص للفعلية على سبيل التفصيل ، لم يضعوا هذه اللفظة إلّا لها .
والذي يدلّ على ذلك : إنّ أهل اللغة على طريقة واحدة ، متى علموا أو اعتقدوا وقوع الكلام بحسب أحوال أحدنا ، وصفوه بأنّه متكلّم ، ومتى لم يعلموا أو يعتقدوا ذلك لم يصفوه ، لجرى هذا الوصف في معناه مجرى وصفهم لأحدنا بأنّه ضارب ومحرّك ومسكّن ، وانّهم يجرون كلّ ذلك عند أهل التعلّق المخصوص المقتضي للفعلية .
ومن دفع ما ذكرناه في الكلام وإضافته إلى المتكلّم ، تعذّر عليه أن يضيف شيئا على سبيل الفعلية ؛ لأنّ الطريقة واحدة .