وهذا حكم معقول يحصل عند المتضادّ من الأكوان والمتماثل ، كما قيل في المجاورات ، وإنّما احتاج الصوت من فعلنا إلى الحركة ؛ لأنّها كالسبب فيه ، من حيث كنّا لا نفعله إلّا متولّدا عن الاعتماد على وجه المضادّة ، والاعتماد مولّد الحركة ، فلهذا جرى مجرى السبب ، وإن كان لا يمتنع أن يفعله اللّه تعالى من غير حركة مبتدأ ، كما يفعله من غير تولّد عن الاعتماد ، وكما يفعل تعالى ما يقع منّا بآلة من غير آلة .
وما ذكرناه هو العلّة في انقطاع طنين الطست بتسكينه ، فليس يمتنع أن يوجد القليل من الصوت مع السكوت ، وهذا لا يكون إلّا عند تناهي الصوت وانقطاعه ، فأمّا أن يوجد مع السكون حالا بعد حال ، فإنّه لا يمكن في فعلنا ؛ لأنّ العلّة [ هي ] التي ذكرناها .
وإنّما لم يصحّ بها إيجاد الكلام إلّا في محلّ مبنيّ بنية مخصوصة كاللسان ؛ لأنّ ذلك آلة لنا في فعل الكلام ، ومن احتاج إلى الجملة في بعض الأفعال إلى الآلات ، لم يمتنع حاجته منها إلى بنية مخصوصة ، وذلك لا يمنع أن يفعله اللّه تعالى - المستغني في الأفعال - من الآلات في كلّ محلّ ، من غير اعتبار بنية ؛ لأنّ الوجه الذي احتيج فيه إلى البنية لا يتأتّى فيه تعالى ، والأصوات مدركة بحاسّة السمع .
وهذا ممّا لا شبهة فيه ؛ لأنّا نفصّل بين المختلف منها عند سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع ، ولا نفصل بين الأكوان « 1 » المختلفة ، [ و ] على هذا الوجه لمّا لم يكن مدركة وهي مدركة في محالها ، من غير حاجة إلى انتقال محالها ، لما فرّقنا مع السلامة بين جهة الصوت والكلام ومكانهما ، كما إنّا لا نعرف من أيّ جهة انتقل إلى محلّ حياتنا ما يلاقيها من الأجسام التي تدرك منها الحرارة والبرودة .
وأيضا : فقد كان يجب على هذا أن يجوز انتقال الكلام أو الصوت إلى بعض الحاضرين دون بعض ، حتى يكونوا مع القرب والسلامة يسمعه بعضهم دون بعض ، وأن يجوز انتقال محلّ بعض الحروف دون بعض حتى يدرك الكلام مختلفا !
فأمّا العلّة في أنّا نشاهد القصّار من بعد يضرب الثوب على الحجر ، ثمّ نسمع الصوت بعد مهلة ، ويسمع النظر السمع ، فهي أنّ الصوت يتولّد في الهواء ، والبعد المخصوص مانع في إدراكه ، فإذا تولّد فيها يقرب متى أدركناه في محلّه ، وإن لم يتّصل بحاسّة سمعنا ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : الألوان .