فصل في ذكر جملة من أحوال الكلام ، وجنسه الذي هو الصوت وفحوى « 1 » أحكامها
اعلم أن الصوت عرض ليس بجسم ، ولا صفة للجسم ، وقد دللنا على ذلك في صدر كتابنا هذا ، حيث بيّنّا أنّ الجسم لا يجوز أن يكون مثقلا بالفاعل .
والأصوات فيها متماثل ومختلف ، ومنها عند أبي هاشم متضادّ ، ويعتمد في ذلك على طريقتين :
إحداهما : أن نحمل الصوت على الكون ، بعلة أنّ إدراك كلّ واحد منهما مقصور على حاسّة واحدة ، ونقضي بمتضادّ مختلفة ، كما قضي بذلك في سائر المدركات بحاسّة واحدة ، كما قضي بذلك من الألوان والطعوم والأراييح .
والطريقة الثانية : إنّ الصوت مدرك فهو هيئة للمحلّ ، وإذا أوجب مختلفة هيئتين ، استحال اجتماعتهما في المحلّ الواحد في الوقت الواحد إلّا للتضادّ .
وإنّما دعاه إلى حمل الأصوات في التضادّ على الأكوان « 2 » وما أشبههما ؛ لأنّ ما يتوصّل به إلى التضادّ في الذوات « 3 » لا يمكن فيها ؛ لأنّ فيها ممّا لا يوجب حالا لحيّ ولا محلّ ، فيعلم تضادّها بتنافي الموجب عنها .
والصوتان المختلفان ليسا ممّا يعلم ويقطع على أنّ محلّهما واحد ، فيتطرّق إلى تضادّهما ، بامتناع اجتماعها في المحلّ الواحد ؛ في الوقت الواحد ، لأنّه غير ممتنع تغاير محالّ الحروف ، وأن يكون كلّ حرف يحتاج إلى بنية مخصوصة .
وفيه نظر ، والأقرب التوقّف في تضادّ المختلف من الأصوات .
فأمّا الدليل على أنّ في الأصوات متماثلا : فهو إنّا قد علمنا اشتباه بعضها ببعض على حاسّة الإدراك ، وقد مضى أنّ الإدراك يتعلّق بأخصّ أوصاف المدرك ، وأنّ الملتبس على الإدراك إذا انتفت الوجوه المعقولة مشتبه متماثل .
وبهذه الطريقة يعلم أنّ فيها مختلفا ، من حيث لم يشتبه على الحاسّة والصوت ممّا لا يجوز وجوده إلّا في محلّ .
هامش
( 1 ) . في الأصل : فتوى .
( 2 ) . في الأصل : الألوان .
( 3 ) . في الأصل : + و .