عالم بأمر أريد إلقائه إليك ، ولهذا لو بدّلوا هذه اللفظة ببعض ما ذكرناه لقامت مقامها .
على أنّهم يقولون : « في نفسي سفري إلى بلد » و « ركوب إلى فلان » ولا شيء من الأفعال إلّا ويحسن استعمالها هذه اللفظة فيه على هذا الوجه ، فوجب على مقتضى استدلالهم أن يكون ذلك أجمع معاني في النفس .
فأمّا قوله تعالى :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
« 1 » فإنّما يقتضي أنّ قولهم ليس في قلوبهم ، ونحن متّفقون على ذلك ، ولا دلالة فيه على إثبات قول لغيرهم في القلب إلّا من طريق دلّ الخطاب وليس بصحيح .
على أنّ المعنيّ بذلك أنّهم ينافقون ويظهرون ما لا ينطوون على العلم بصحّته .
فأمّا التعلّق بقولهم في الساكت : « إنّه متكلّم » فغير صحيح ؛ لأنّ المراد بذلك إمكان الكلام منه وما . . . . . . « 2 » ، أو الإضافة على طريق الحرفة والصناعة ، كما يقال في الممسك عن كلّ الصناعات : « إنّه صانع ونجار » ويوصف بذلك في حال هو فارغ من تلك الأحوال .
فإن قيل : الذي يدلّ على إثبات واسطة بين الفكر والعبارة ، أنّ أحدنا قد يفكّر في الدلالة ثمّ يتعذّر عليه العبارة عنها حتى يدبّرها في نفسه .
قلنا : ما أشير إليه لا يخلو من أن يكون فكرا ثانيا ؛ لتقصير جرى في الأوّل ، ويكون فكرا في تلخيص العبارة عن الدلالة ، أو فكرا في استحضار ما علمه ، وجمع المنتشر منه إلى خاطره ، أو يكون بذكر كيفية استدلاله ، والتذكّر غير التفكّر ، أو يكون حديث النفس الذي بيّنّا أنّه كلام خفي ، وما عدا ما ذكرناه لا يعقل ولا يمكن إثباته .
على أنّه لو كان الكلام معنى في النفس ، لم يمنع منه الخرس ولا السكوت ، كما لا يمنعان من الإرادة وأفعال القلوب ، ومعلوم تنافي وصفهم للأخرس أو الساكت بأنّه متكلّم ، وكان أيضا غير واجب في هذه العبارة المسموعة أن تطابقه ؛ لأنّه لا نسبة بينهما ولا علقة ، فكان لا يمتنع أن يكون مخبرا بلسانه وإن كان آمرا بقلبه ، وكذلك سائر أقسام الكلام ، وكان أيضا لا يمتنع انفصالهما فيكون معبّرا لسائر ضروب الكلام وإن لم يكن في نفسه كلام ؛ لأنّه لا تعلّق بينهما يقتضي ألّا توجد العبارة إلّا مع وجود ذلك المعنى .
هامش
( 1 ) . سورة آل عمران : 167 .
( 2 ) . كلمة غير مقروءة في الأصل .