التعلّق .
فإن قيل : كلّ عاقل يجد في ناحية قلبه عند الكلام أمرا يطابقه ، وكذلك قد يرى في نفسه ما يريد أن يتكلّم به قبل وقوع الأصوات وظهورها مثله ؟
قلنا : الأمور التي يجدها الإنسان من نفسه عند الكلام معقولة ، وهي العلم بكيفية ما يوقعه من الكلام ، أو الظنّ له ، أو إرادة ذلك ، أو الداعي إلى فعل الكلام ، أو الفكر ، أو الرؤية في إيقاعه وكيفيّة فعله .
فإن / 108 / أشير إلى بعض ما ذكرناه بالكلام ، صحّ المعنى وعاد الخلاف إلى العبارة .
وإن أريد غيره ، فليس يعقل سوى ما ذكرناه .
على أنّ أحدنا ربّما حدّث نفسه بما يريد أن يلفظ به أن يفعل حروفا خفيّة داخل صدره ويقطّعها بالنفس ، ولا يمتنع أن يكون الجنّ والملائكة يسمّون تلك الحروف [ كلاما ] للطف مسالكهم منّا وإن لم نسمعها نحن ، ولهذا يتعذّر على من حبست أنفاسه أن يحدّث نفسه ، كما يتعذّر عليه الكلام المسموع ، فهذا هو إدارة الكلام في النفس قبل اللفظ بها ، وما قدّمناه من الفكر في إيقاعه ، وما عدا ذلك ليس بمعقول ، فعلى من ادّعاه أن يثبته .
على أنّ أحدنا قد يحدّث نفسه ببناء دار ، أو كتب رقعة ، فنظر أنّها مصوّرة في نفسه قبل أن يفعلها ، ولا يجب لذلك أن يكون البناء أو الكتابة معنى في النفس غير الظاهر المعقول .
فأمّا لغلطهم بقولهم : « في نفسي كلام » فركيك من الاحتجاج ؛ لأنّه توصّل إلى إثبات المعاني بالعبارات ، ومعلوم فساد ذلك .
على أنّ المطلق لهذا القول لا يخلو من أن يكون مطلقا له على علم بأنّ في النفس كلاما ، أو عن غير علم .
فإن كان عن غير علم ، فلا اعتبار بقوله ولا حجّة في إطلاقه .
وإن كان عن علم ، لم يخل من أن يكون ضروريا أو مكتسبا بالأدلّة :
ولو كان ضروريا لاشتركنا فيه ، وقد بيّنّا أنّا لا نعلم ما يدّعونه .
وإن كان مستدلّا عليه ، وجب إيراد ذلك الدليل الذي اقتضى لمطلق هذه العبارة العلم ، فإنّ الحجّة فيه دون غيره .
وبعد ، فإنّ لقولهم : « في نفسي كلام » وجها صحيحا ، وهو إنّي عازم عليه ومريد له ، أو
الملخص في أصول الدين — صفحة 401
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٤٠١