وهذا الجواب يغني عمّا أجاب به أبو هاشم عن ذلك من قوله : إنّ الأصل في هاتين اللفظتين عند الأمر بهما « أوق » و « أوع » ، وإنّما وقع الحذف بضرب من التصرّف ، والمحذوف مقدّر في هذا الكلام مراد ، فعاد الأمر إلى أنّ الحرف الواحد لم يفد ، ولا يجوز أن يحدّ الكلام بأنّه « 1 » أصوات مقطّعة وحروف منظومة ؛ لأنّ الحروف لا يكون حروفا إلّا وهي أصوات مقطّعة ، فذكر الأصوات لا معنى له ؛ ولأنّ الكلام لا يبيّن بكونه صوتا ، وذكر ما لا يبيّن في الحدّ يجري مجرى أن يذكر فيه كونا عرضا ومدركا ولا يجوز أن يشترط في حدّ الكلام كونه مفيدا ، على ما مضى في بعض كلام أبي هاشم ؛ لأنّ أهل اللغة قد قسّموا الكلام إلى مهمل ومستعمل ، فلم يسلّموا ما لا يفيد منه اسم الكلام ؛ ولأنّ الكلام إنّما يفيد بالمواضعة ، وليس لها تأثير في كونه كلاما ، كما لا تأثير لها في كونه صوتا .
ولأنّهم يسمّون الهذيان الواقع من المجنون كلاما مع ارتفاع الفائدة ، ولا يجوز أن يحدّ الكلام بأنّه أفاد مراد المتكلّم ؛ لأنّ ذلك ينتقض بالإشارة والكتابة ، والعقد بالأصابع ، ويوجب المهمل وكلام الهاوي [ وهما ] لا يوصفان بأنّهما كلام على الحقيقة .
ولا يجوز أن يحدّ الكلام بأنّه ما يوجب كون المتكلّم متكلّما ؛ لأنّه أحاله على مبهم والسؤال بعد باق .
ومتى قيل : فهذا الذي يوجب كون المتكلّم متكلّما ما هو ، وما جنسه [ إذا ] لم يكن من البيان به ؟
ولا يجوز أن يحدّ بأنّه ما يقوم بذات المتكلّم ؛ لأنّ ذلك إضافة إلى المتكلّم ، ويجب أن يعقل أوّلا ثمّ يضاف ، [ و ] على ذلك ينتقض بكلّ شيء قام به من العلم والقدرة والحياة ، وينتقض بالكلام الموجود في الصدى ؛ ولأنّ الكلام في موضع من المواضع لا يقوم بذات المتكلّم ؛ لأنّه يحلّ اللسان ، وليس اللسان هو المتكلّم .
فإن قيل : قد بيّنتم كلامكم على أنّ الكلام هو الصوت إذا وقع على بعض الوجوه ، وأبو عليّ يخالف في ذلك ، ويذهب إلى أنّ جنس الكلام يخالف جنس الصوت .
قلنا : لو كان الأمر على ما ذكر أبو عليّ ، وقد علمنا من كلّ جنسين لا تعلّق بينهما صحّة وجود كلّ واحد مع فقد الآخر ، لوجب أن يصحّ وجود الكلام عاريا من الأصوات
هامش
( 1 ) . في الأصل : فإنّه .