يسمع من بعض الطيور ، من الحروف المنتظمة نظام الكلام كالببغاء وغيرها كلاما .
وذكرنا القبيل دون الشخص ؛ لأنّ ما يسمع من المجنون أو المبرسم « 1 » يوصف بأنّه كلام ، وإن لم يصحّ منه الفائدة وهو على ما هو عليه ، لكنّها يصحّ في القبيل ، وليس كذلك الطائر .
والذي يدلّ على صحّة هذا الحدّ : إنّه متى تكاملت شروطه صحّ مع ذلك الوصف بالكلام ، ومتى اختلّ بعض الشروط لم يوصف بذلك .
فإن قيل : يلزم على حدّكم أن يكون الأخرس متكلّما ؛ لأنّه غير ممتنع أن يقع منه حرفان متواليان من حروف الشفه نحو « هم » و « بب » .
قلنا : قد أجيب من ذلك بأن احترز في أصل الحدّ بأنّ الكلام ما تألّف من حرفين مختلفين فصاعدا ، ويطعن على هذا الجواب أنّه غير ممتنع أن يقع من الأخرس حرفان مختلفان من حروف الشفه .
والجواب الصحيح : إنّه لا خلاف بين أصحابنا في أنّ الأخرس والعاجز والميّت قد يقع منهم أقلّ قليل الكلام ، نحو أن يفعل أحدهم سبب الكلام ثمّ يفسد آلته في الثاني ، أو يعجز أو يموت ، فيكون ما يتولّد في الثاني كلاما له ، وهو متولّد المتكلّم إذا كان الكلام فيما يحلّ آلته التي يفعل الكلام بها ، فإذا كان الكلام متكلّما بما يحلّ آلة الكلام ، جاز أن يكون متكلّما بالكلام الكثير ، وبعد الأوقات الكثيرة من حال موته أو عجزه أو سكوته ، وذلك كمن يفعل الكلام في الصدى ، وعلى هذا لا يمتنع أن يقال في الأخرس : إنّه متكلّم بالحرفين من حروف الشفه ؛ لأنّ الخرس لا يمنع من أقلّ قليل الكلام على هذا الوجه ، ولا بدّ من تقييد ذلك ليرتفع بها الإبهام واللبس .
ولا يقدح في حدّنا قولهم في الأمر « ف » و « ع » فإنّ ذلك كلام ومفيد ، مع أنّه حرف واحد .
وذلك أنّ المنطوق به في هذا القول حرفان على الحقيقة ؛ لأنّ الغنّة التي تقف عليها عند السكت هي حرف ، وإن لم يثبت في الكتابة والنطق بحرف واحد لا يمكن ؛ لأنّه لا بدّ من الابتداء بمتحرّك والوقوف على ساكن .
هامش
( 1 ) . البرسام : داء معروف ، وفي بعض كتب الطب أنّه ورم حار يعرض للحجاب الذي بين الكبد والمعي ثمّ يتّصل بالدماغ .