ضعفه لدلّ وقوع مراده تعالى على قوّته ، على أنّ هذا القول يوجب عليهم أن يكون انتفاء وقوع ما أمر به يدلّ على ضعفه ، كما يدلّ مثل ذلك في الشاهد ، وأيّ فرق تعاطوه في الفصل بين الغائب والشاهد في الأمر أمكن أن يذكر في الإرادة ، لأنّ أحداثا للأمر في الشاهد يدلّ على الضعف ، من حيث ضمنت المخالفة في الإرادة ؛ لأنّ أحدنا لا يأمر إلّا بما يريده ، وأنّ القديم تعالى يأمر بالشيء ، وإن لم تكن مريدا له ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الأمر لا يكون أمرا إلّا وفاعله مريد للمأمور به ، وإنّه بذلك دخل في أن يكون آمرا ، فلا فرق بين الغائب والشاهد في هذا الباب .
على أنّهم إن جوّزوا أن يأمر أحدنا بما يريده ، قيل لهم أفيدلّ مخالفته في الأمر على ضعفه ؟
فإن التزموا ذلك لزمهم مثله فيما يأمر تعالى به .
وإن امتنعوا من دلالة المخالفة للأمر في الشاهد على الضعف ، امتنع عليهم مثل ذلك في الإرادة ؛ لأنّ حكم الشاهد لا يختلف في الأمرين ، بل الحال في المخالفة في الأمر أوضح ، وأنّ أحدنا وإن أحالوا كون أحدنا آمرا في الشاهد بما لا يريده ، قيل لهم : فيجب أيضا استحالة كونه تعالى آمرا بما لا يريد ، لأنّ ما يحيل ذلك في بعض الأمرين ، يحيله في كلّ آمر .
وبعد ، فإنّ النبيّ - عليه السلام - كان يريد الإيمان من الكفّار ، ولم يدلّ انتفائه من جهتهم على ضعفه وغلبته وقهره .
على أنّ هذا يوجب عليهم أن يكون « 1 » تعالى من حيث أمر الكفّار بالإيمان ، والعصاة بالطاعة أن يكون آمرا لهم بأن يقهروه ويغلبوه ، وكذلك إذا كان تعالى قادرا على أقدارهم على ذلك أن يكون قادرا أن يقدرهم على غلبته وقهره ، وهذا أوضح فسادا على أن يكافيه .
والجواب عن الشبهة الثانية : إنّ الوجه الذي من أجله قلنا : إنّه متى أراد من أفعاله أن لا يقع لحقّه النقص ، لا يتأتّى فيما يريده من أفعال غيره أن يفعله على سبيل الاختيار ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : يكونوا .