ولا مدحة في كراهة الظلم ونفي الظلم ونفي الإرادة له ؛ لأنّ الضعيف والعاجز بهذه المثابة ، وإنّما أرادوا بذلك المنع .
وإنّما أشكل أحد الأمرين بالآخر ، من حيث كان من يأتي الشيء ويمتنع منه أو يمنع ، لا بدّ من أن يكون كارها ، والقديم تعالى وإن كره المعاصي ، فما منع منها فلا يوصف بما يفيد ذلك .
والجواب عن الشبهة الخامسة : إنّ الذين ذكرتموه معلوم ضرورة خلافه ؛ لأنّ النبيّ - عليه السلام - كان يريد جهاد الكفّار وإن لم يرد وقوع المنكر ، وأحدنا يريد اغتسال الزاني من الجنابة وإن لم يرد ما يوجب ذلك ، وكذلك يريد إيقاع الحدّ لمن تستحقّه وإن لم يرد ما يوجب الحدّ ، وإذا جاز أن يكون أحدنا يريد المسبّب إذا خصّه العرض على بعض الوجوه وإن لم يرد سببه ، فأولى ألّا تجب إرادته لما ليس بسبب مما يحصل عنده مراده .
والجواب عن الشبهة السادسة : إنّ قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » راجع إلى ما تقدّم من قوله :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
« 2 » ، فكأنّه تعالى قال : وما تشاءون الاستقامة إلّا أن يشاء اللّه ، وإنّما وجب ردّه إلى ذلك ؛ لأنّه غير مستقل بنفسه ، وما تعلّقت به المشيئة غير مصرّح به ، فإذا تقدّم ما يمكن تعليقه به كان أولى .
على أنّ ذلك لو لم يجب لحملنا الآية على الطاعات دون المعاصي ؛ للأدلّة المتقدّمة .
والجواب عن الشبهة السابعة : إنّ إجماع الأمّة على إطلاق القول الذي ذكروه غير مسلم ، ومعلوم أنّ أهل العدل لا يطلقون ذلك ، كما لا يطلقون أنّ كلّ شيء بقضاء اللّه وقدره ، وإنّما يطلق ما جرى هذا المجرى العامّة ، ومن لا يعرف ما يأتي ويذر ، ومن أطلق ذلك فهو يبطل القول بأنّ كلّ شيء بإذن اللّه وأمره ، وأنّه لا مردّ إليه ، فيجب أن يحتجّ بذلك في أنّه لم يأمر الكفّار بالإيمان وأنّ الكفر ممّا أمر به ، ومن الظاهر على لسان الأمّة قولهم :
« نستغفر اللّه من جميع ما كره إليه » ، والاستغفار لا يكون إلّا من الواقع ، وهذا يقتضي أنّه تعالى قد كره بعض ما وقع منهم ، ومن دعاء الأمّة قولها أيضا : « اللّهمّ انقلنا ممّا تكره إلى ما تحب » .
فإن قيل : فما المعنى في قولهم : « ما شاء اللّه كان » إذا سلّمتموه ؟
هامش
( 1 ) . سورة التكوير / 29 .
( 2 ) . سورة التكوير : 28 .