قلنا : المراد بذلك ما شاء في أفعاله كان ، وما لم يشأه من أفعاله التي ليست بإرادة لم تكن ؛ لأنّ هذا القول ليس بأكثر من القرآن الذي يجوز تخصيصه بالأدلّة .
وقد يجوز حملها أيضا على أنّ ما شاءه وألجأ إليه كان ، وما لم يشأه ومنع منه لم يكن .
على أنّهم يعدلون عن ظاهر هذا القول على مذاهبهم ؛ لأنّهم يذهبون إلى أنّه تعالى يشاء ما لا يكون ، أن لا يكون ، فقد شاء على هذا ما لم يكن ، وتركوا الظاهر .
فإن قالوا : نحمله على أنّ ما شاء كونه .
قلنا : ونحمله على ما شاءه من أفعاله .
والجواب عن الشبهة الثامنة : إنّ مشيّة اللّه تعالى لقضاء الدين عندنا متقدّمة ، وإنّما يوجد عند الأمر منه تعالى بالقضاء ، وقوله : « إن شاء اللّه » يقتضي إرادة متجدّدة مستقبلة ، فلا يلزم على مذهبنا أن يكون حانثا ، ولو قال : « واللّه لأقضينّ الدين إن كان اللّه قد شاء ذلك » حنث متى لم يقضه .
وليس يمكن أن يدّعي في هذا التفصيل خلاف جميع الفقهاء ؛ لأنّهم لا نصّ عندهم في ذلك ، والغرض في تعقيب الإيمان وما أشبههما بذكر المشيّة ، هو قطع لزوم الكلام ، وجعله موقوفا غير نافذ الحكم ، فكأنّه بعرف الشرع صار أمارة على ما ذكرناه من زوال حكم اليمين .
والذي يبيّن ذلك : إنّ المشيّة قد تدخل في اليمين على الماضي ، ومعلوم أنّ الشرط المتجدّد لا يجوز أن يعلّق به أمر ماض « 1 » ، ولهذا لا يقال : « دخل زيد الدار أمس إن كان كذا وكذا » مستقبلا ، فعلم أنّ المشيّة لم يرد بها الشرط ، وإنّما يفيد ما ذكرناه من التوقّف وقطع لزوم حكم الكلام ، وقد حكي عن أبي عليّ أنّه كان يقول : إنّ الحالف على هذا الوجه إنّما لم يحنث ؛ لأنّه يحتمل أن يريد إن شاء أن يمكّنني ولا يمنعني ، أو تلطّف لي في الفعل ، ولا يمتنع ألا يكون لطف في الفعل ، فلا يحصل الشرط ، فلهذا لم يكن حانثا لو أنّه قال بعد اليمين : « إن كان اللّه قد شاء منّي نفس الفعل » الذي هو قضاء الدّين ، لوجب أن يكون حانثا إذا لم يقضه ، وكلّ هذا بيّن .
هامش
( 1 ) . في الأصل : ماضي .