واعلم أنّه تعالى لا يجوز أن يريد شيئا من فعل غير المكلّف من البهائم ومن جرى مجراها من الإنس ؛ لأنّ إرادة ذلك عبث ، ويجري في القبح « 1 » مجرى إرادة المباح ، ولهذه أيضا لا يكرهه ، وإن كان في جملة أفعالهم ما هو قبيح .
وقد قيل : إنّه متى علم أنّ لطفا يتعلّق بهذه الكراهة حسن « 2 » ، وذلك بأن يعلم تعالى أنّه متى أعلم بعض المكلّفين أو جميعهم إنّه يكره القبائح من البهائم ، صلحوا في التكليف .
واعلم أنّ جميع أفعاله المبتدأة إنّما يريدها في حال حدوثها ، فأمّا المتولّدات فعلى ضربين :
أحدهما : يوجد مع السبب ، وهذا لا شك في أنّ إرادته تقارنه .
والضرب الآخر : لا يقارن السبب ، وهو على ضربين :
متعقب لسببه ، ومتراخ عنه .
فالمتعقّب : الأولى فيه أن يقارن الإرادة لسببه ؛ لأنّه كالموجود في تلك الحال ، فالإرادة كأنّها مقارنة له ويجري مجرى مقارنة الإرادة لأوّل جزء من الخبر .
فأمّا المتراخي : فانّه بتراخيه وانفصاله عن السبب يجري مجرى المبتدأ ، فلا بدّ من مقارنة الإرادة له ليؤثّر فيه ، وعلى هذا يصحّ القول بأنّه تعالى لا يريد فعل الثواب ممّن أطاع قبل أحوال فعل الثواب ، ولا يلزم على هذا أن يكون تعالى غير معرّض للثواب ، وإلا يكون لقولنا : « إنّه تعالى كلّف ليثيب » معنى ، وذلك أنّ التعريض يكفي فيه أن يريد من المكلّف الطاعة التي يستحقّ بها الثواب ، مع العلم بأنّه يثيبه إذا أطاع ، وجعله على صفات المكلّفين ، ومعنى قولنا : « كلّفه ليثيبه » أنّه جعله على صفات المكلّف لفعل ما أراده منه من الطاعة التي يستحقّ بها الثواب .
فأمّا ما يريده تعالى من المكلّفين ، فإنّما يريده قبل حال الفعل ؛ لأنّ المقتضي لكونه مريدا لذلك كونه مكلّفا وآمرا وناصبا للأدلّة ، وكلّ ذلك يقتضي تقدّم كونه مريدا ؛ وكذلك القول فيما يكرهه من أفعال العباد أنّه يجب تقدّمه .
وقد قيل : إنّه غير ممتنع أن يكره تعالى منهم القبيح في حال وجوده ، وكذلك يريد منهم
هامش
( 1 ) . في الأصل : القبيح .
( 2 ) . في الأصل : حسب .