وليس يمكن أن يقال : إنّما وجب ما ذكرتم ، من حيث كان كلّ واحد من الإرادة والمحبّة محتاجا إلى صاحبه ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى ارتفاع الطريق الموصل إلى أنّهما غيران ، وإلى أن يجوز وجود معان زائدة على ما عقلناه ، وذلك باب التجاهل .
ولا يمكن أن يجعل أحدهما هو المحتاج إلى الآخر ؛ لأنّه يوجب صحّة وجود المحتاج إليه وإن لم يوجد المحتاج ، كما نقوله في العلم والحياة .
وأمّا التعلّق بقولهم : « فلان يحبّ فلانا » وإن استحال أن يقال : إنّه يريده ، وكذلك يحبّ ولده وجاريته ويحبّ الدراهم واللحم ، وإن لم تستعمل الإرادة في كلّ ذلك ، فواضح البطلان ؛ لأنّ إطلاق العبارات لا تؤثّر فيما يدلّ عليه الأدلّة ، ولا يعترض بها على الأدلّة ، بل يجب العدول عن ظاهرها وصرفها إلى ما يطابق الأدلّة .
وكما أنّ الإرادة لا تتعلّق بالذوات الباقيات ، فكذلك المحبّة ، ومعنى قولهم : « أحبّ زيدا » إنّني أريد منافعه ولا أريد شيئا من مضارّه ، وحذفوا ذكر المحبوب على الحقيقة اختصارا وتعويلا على المعرفة به ، فكأنّهم استطالوا أن يقولوا : أريد منافعه ولا أريد مضارّه ، فأقاموا مقام ذلك قولهم : أحبّه ، وهذا عادتهم في كثير من ألفاظهم المختصرة ، ثمّ تعارفوا الحذف واستحسنوه مع لفظ « المحبّة » ، ولم يستحسنوه مع لفظ الإرادة ، حتى يقولوا : « أريد زيدا » لأنّه ليس يمتنع أن يخصّوا بعض الألفاظ بكيفية في الاستعمال ، ولم يفعلوا ذلك في كلّ ما جرى مجراه وكان في معناه . ألا ترى إنّهم يعبّرون بقولهم :
« غائط » عن قضاء الحاجة ، ولا يستعملون ذلك في كلّ لفظ معناه معنى قولهم : غائط .
والذي يبيّن صحّة ما ذكرناه : إنّه لو كان معنى قولهم : « أحبّ زيدا » غير ما ذكرناه ، لم يجب فيمن أحبّه أن يكون مريدا لمنافعه ؛ ولأنّهم لو أظهروا المحذوف فقالوا : « فلان يحبّ منافع فلان » لكان أكشف وأبلغ في مرادهم ، فدلّ ذلك على أنّ المعنى ما ذكرناه .
وأمّا قولهم : « فلان يحبّ ولده » فجاز على ما ذكرناه ، ويجوز أيضا أن يراد به أنّه يريد النظر إليهم وتقريبهم منه ، لمكان سروره بذلك .
وقولهم : « فلان يحبّ جاريته » معناه يريد الاستمتاع بها ، وقال قوم : يشتهي الاستمتاع بها ، وأنّه عبّر عن الشهوة بالمحبّة مجازا ، والقول في اللحم يجري في الوجهين مجرى ما
الملخص في أصول الدين — صفحة 368
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٦٨