تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
علمنا أنّ المراد قد يتأخّر أوقاتا كثيرة ، وكان يجب أيضا أن يوجب فعل الغير وإن كان عاجزا ، والفعل المحكم وإن لم يكن الفاعل عالما به . وممّا استدلّ به على ذلك : إنّا قد علمنا أنّ الإرادة تتعلّق بفعل غير المريد ، كما يتعلّق بفعله ، وخلاف من خالف في ذلك ظاهر الفساد ؛ لأنّا نعلم من أنفسنا ضرورة أنّ حالنا فيما نريده من نفوسنا لا يخالف حالنا فيما نريده من غيرنا ، كما أنّ حال ما نعلمه من مقدورنا غيرنا ، فإن جاز أن يقال فيما نريده من الغير أنّه تمنّ أو شهوة ، جاز ذلك فيما نريده من أنفسنا ، لارتفاع الفرق . وإذا ثبت ذلك ، فلو كانت الإرادة موجبة لا وجبت فعل الغير ، [ و ] لتعلّقت بالأمرين على حدّ واحد . وليس لهم أن يقولوا : إنّها إنّما لم توجب فعل الغير من حيث لم يكن مقدورا للمريد ، وأنّ ذلك يجري مجرى المنع من التوكيد . لأنّا قد بيّنّا أنّ المسبّب يجب أن يكون مقدورا للقادر على السبب ، فما منع من القدرة عن المسبّب يجب أن يكون مانعا من القدرة على السبب . على أنّ ما لا يجوز ارتفاعه على وجه ، لا يجوز أن يكون منعا ، ومقدور زيد لا يجوز أن يكون مقدورا لغير ، فكيف يجعل منعا من توليد الإرادة ؟ وممّا يدلّ على أنّ الإرادة لا توجب الأفعال إيجاب الأسباب ، أنّ من شرط كلّ سبب تولّد في غير محلّه أن يكون بينه وبين ما تولّد فيه مماسّة له ، أو مماسّة لما ماسّه ، ولهذا لم يصحّ من أحدنا أن يولّد باعتماد يده في غيره الحركات والاعتمادات والأصوات وما جرى مجراها ، إلّا مع الشرط الذي ذكرناه ، والأسباب مع اختلافها متّفقة في أنّها لا تولّد إلّا هذا الشرط ، كما أنّ القدر مع اختلافها متّفقة المقدور في الجنس ، وهذا الشرط لا يصحّ حصوله بين الإرادة والمراد ؛ لأنّها تحلّ القلب ، فكيف توجب أفعال الجوارح ؟ وليس لأحد أن يقول : إنّها توجب الأفعال التي تظهر في الجوارح المماسّة التي بينها وبين هذه الجوارح . وذلك أنّ كلّ شيء حرّكناه بالمماسّة ، فلا بدّ من أن يحرّك الجسم الذي يماسّه به ، وقد