فصل في أنّ البقاء لا يجوز على الإرادة
الذي يدلّ على ذلك ، أنّ أحدنا قد يخرج من كونه مريدا للشيء ، من غير أن يكون كارها له ، فلو كانت الإرادة تبقى ، لم يجز أن تبقي إلّا بضدّ أو ما جرى مجراه ، كسائر الأجناس الباقيات ، والأمر في أنّ أحدنا يخرج من كونه مريدا إلى ضدّ ظاهر ، فلا حاجة بنا إلى الدلالة عليه .
وليس لأحد أن يقول : فلعلّه إنّما يخرج بخروج المراد من صحّة تعلّق الإرادة به ؟
وذلك أنّه قد يخرج عن كونه مريدا ، مع جواز كون ذلك الشيء مرادا .
وليس له أن يقول : فيجب إن كانت لا تبقى أن لا يدوم كون أحدنا مريدا للشيء الواحد ، ويستمرّ أوقاتا متّصلة .
وذلك أنّ استمرار كونه مريدا لا يمتنع وإن كانت الإرادة لا تبقى ، بأن يفعل إرادات متماثلة فيستمرّ حاله في كونه مريدا ؛ لأنّ الإرادة إذا كانت تابعة للدواعي ، جاز أن يجدّد حالا بعد حال ما دام الدواعي ثابتا .
وممّا يدلّ أيضا : على أنّها لا تبقى ، أنّ في بقائها صحّة كون أحدنا مريدا ، لما يعلمه ماضيا ، وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنّها إذا تعلّقت بفعل ثمّ مضى ، فمضيّه لا يوجب عدمها ؛ لأنّه ليس بضدّ ولا جار مجراه ، فيجب أن يكون ما فيه ومتعلّقة بالماضي ، وقد علمنا فساد ذلك .
فصل في بيان معاني الأسماء المختلفة التي تجري على الإرادة والكراهة ، وتميّز فوائدها
اعلم أنّ الإرادة هي المحبّة ، بدلالة أنّ كلّ من أراد شيئا فقد أحبّه ، ومن أحبّه فقد أراده ، ولو اختلفتا لم يجب ما ذكرناه .
وأيضا : فإنّ بالكراهة الواحدة يخرج الإنسان من كونه محبّا ومريدا للأمر الذي تعلّقت الكراهة به ، وهذا أيضا يدلّ على أنّ معناهما واحد .