أحد الوجهين نظر ، لعلّنا أن نتقصّاه فيما بعد بمشيّة اللّه .
فصل في تقدّم الإرادة على المراد ، ومقارنتها له
اعلم أنّ الإرادة قد تتقدّم المراد وتقارنه ، ولا بدّ في الإرادة المؤثّرة من أنّ تقارن المراد لتؤثّر فيه ، ولا إشكال في تقدّم الإرادة ؛ لأنّ أحدنا يجد نفسه مريدا للفعل وعازما عليه قبل أن يفعله ، ويريد المسبّب في حال السبب .
وإنّما قلنا ؛ إنّها لا بدّ من أن تقارن المراد لتؤثّر فيه ، وأنّ تقدّمها لا يكفي في ذلك ، من حيث يقع الفعل على وجه قد كان يجوز أن يقع على خلافه ، فيجب أن يكون ما له وقع على أحد الوجهين مصاحبا ، ليختصّ من أجله بأحدهما .
ولو كان ما تقدّم من الإرادة هو المؤثّر في وقوعه على أحد الوجهين ، لكان الفعل في حال وقوعه يقع على وجه لا يجوز أن يقع على غيره بدلا منه ، والمعلوم خلاف ذلك .
واعلم أنّ ما يؤثّر فيه الإرادة ، قد يكون فعلا ، وقد يكون جملة من الأفعال .
وما هو فعل واحد ينقسم : إلى مبتدأ ، ومتولّد .
فالمبتدأ : يجب مقارنة الإرادة له .
والمتولّد على ضربين : مصاحب لسببه ، ومتراخ عنه .
فالمصاحب لسببه من المتولّد يجب أيضا أن يقارنه الإرادة لتؤثّر فيه ، والمتراخي يجوز أن تقارن الإرادة لسببه ؛ لأنّه عند وجود المسبّب في حكم الموجود ، من حيث خرج عن مقدور فاعله .
فأمّا ما هو جملة من الأفعال يوجد شيئا فشيئا ، كالكلام الذي يقع خبرا وأمرا ، فيجب أن تكون الإرادة المؤثّرة فيه مقارنة لأوّل جزء منه ؛ لأنّه ليس يمكن أن تقارن جميعه ، ولا يجوز أن يؤثّر فيه وهي مقدمة له أو متأخّرة عنه لما تقدّم ، فلم يبق في تأثيرها في جميع الخبر إلّا أنّ تقارن أوّله ، أو تؤثّر في جميعه ؛ لأنّ الحكم يرجع إلى جميع الخبر ، ويجري في هذا الكتاب مجرى اختصاص العلم بالحلول في بعض العالم ، وإن كان تأثيره