تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
الإرادة يتعلّق بقبح المراد ؛ لأنّها يقبح مرادها ، والمراد لم يقبح لقبح إرادته ، بل للوجه الذي يقع عليه ، وكلّ فعل قبح لوقوعه على وجه تؤثّره الإرادة كالصدقة المقصود بها الرياء والسمعة ، فهو وإرادته قبيحان ؛ لأنّها إذا كانت قبيحة وأثّرت في الفعل وجب قبحه ، وليس كذلك إذا كانت قبيحة غير مؤثّرة ؛ لأنّ من قصد بردّ الوديعة الأخداع « 1 » ، تكون إرادته قبيحة وفعله حسنا ؛ لأنّها هاهنا منفصلة من الفعل وغير مؤثّرة فيه . واعلم أنّ الإرادة لا تؤثّر في كون الكلام خبرا ، ولا في سائر ما ذكرنا أنّه يقع على وجه دون الآخر ، وإنّما المؤثّر على التحقيق في ذلك كون المريد مريدا ، بخلاف ما ذهب إليه قوم من أنّ الإرادة هي المؤثّرة . والذي يدلّ على ذلك : إنّها لو أثّرت في كون الكلام خبرا ، مع تأثيرها في كون المريد مريدا ، لوجب أن تكون علّة في معلولين مختلفين . ولأنّه لو كان مريدا بلا إرادة ، لصحّ أن يخبر ويأمر ، كما لو كان عالما بغير علم ، يصحّ منه المحكم من الفعل ، ولو جاز أن يستند كون الكلام خبرا إلى الإرادة دون حال المريد ، لجاز استناد كون الفعل محكما إلى العلم دون حال العالم ، وحال المريد وإن أثّرت في الخبر ، فليست علّة على الحقيقة في كونه خبرا ؛ لأنّ العلّة لا تكون إلّا ذاتا ، ومن شرطها أن يختصّ بالمعلّل ، وكلّ هذا لا يتأتّى في حال المريد . ألا ترى أنّها تؤثّر في الموجود والمعدوم من الحروف ، غير أنّها وإن لم تكن على الحقيقة علّة فهي مشبهة بالعلّة . واعلم أنّه لا شبهة في الإرادة ، إذا كانت متعلّقة بفعل غير المريد بها ، فإنّها لا تؤثّر فيه ؛ ألا ترى أنّ القول الموجود من زيد لا يكون خبرا ؛ لأنّ / 94 / عمروا أراد كونه خبرا ، ولو جاز أن يؤثّر بعض أحوال زيد في فعل عمرو ، لم يكن بعض في ذلك أولى من بعض أن يؤثّر كونه عالما وقادرا في فعل غيره . وقد لوّح أبو هاشم في بعض المواضع في المخبر ، [ أنّه ] لا يمتنع أن يكون مخبرا بأن يقصد إلى الخبر وإن كان الخبر من فعل غيره . والصحيح ما ذكره في البغداديات « 2 » وغيرها من أنّ الخبر لا بدّ من أن يكون من فعل
هامش
( 1 ) . في الأصل : الاختناع . ( 2 ) . قال البدوي في مذاهب الإسلاميين ذيل ترجمته لأبي هاشم الجبّائي ص : 335 : « البغداديّات - ذكره الجويني في