المخبر ، ويدلّ عليه ما ذكرنا من أنّ أحوال الحيّ لا يؤثّر في فعل غيره ، وما ذكرناه قديما من أنّ جعل الذات على صفة من الصفات من غير توسّط علّة ، فلا بدّ من أن يكون المحدث لها .
وكان أبو هاشم يشترط في تأثير الإرادة في الخبر ، أن يكون من فعل المخبر ، ويقول :
متى كانت ضرورية لم تؤثّر ، وغيره يجيز أن تؤثّر لإرادة أو حال المريد ، وإن كانت ضرورية وغير تابعة لاختياره .
والذي ينصر به القول الأوّل : إنّ الخبر لما اعتبر في كونه خبرا بناء أن يكون ذاته من فعلنا واختيارنا ، وجب أيضا أن يعتبر فيما به صار خبرا من كوننا مريدين [ و ] أن يتعلّق باختيارنا ، ليجري ما كان به خبرا في التعلّق باختيارنا مجرى ذات الخبر ، وحتى يصحّ أن يفعله خبرا أو لا يفعله كذلك .
وممّا ينصر به القول الثاني : إنّ المعتبر في كون الكلام خبرا كون « 1 » فاعله مريدا ، كما أنّ المعتبر في كون الفعل محكما بكونه عالما ، ولا اعتبار بكيفية كونه عالما ، فكما جاز أن يؤثّر كونه عالما وفي المحكم ، وإن كان العلم من فعل غيره ، كذلك يؤثّر كونه مريدا ، وكما جاز أن يؤثّر كونه مريدا بلا إرادة أصلا ، لو جاز ذلك ، فلم لا يجوز أن يؤثّر كونه مريدا ، وإن كان عن إرادة ضرورية ؟
ويمكن أن يفرّق بين كونه عالما ، وكونه مريدا في هذا الكتاب ، بأنّ كونه عالما على سبيل الوجوب ، بل على وجه الصحيح « 2 » ، وكونه مريدا بخلاف ذلك ؛ لأنّه مقدّر لكلّ واحد منهما تأثيرا « 3 » في كونه داعيا - متى يصحّ لو انفرد - أن نختار الفعل لأجله .
يبيّن ما ذكرناه : إنّه لما صحّ من أحدنا أن يختار الفعل للمنافع « 4 » ودفع المضارّ ، صحّ أن يختاره لكلّ واحد من الأمرين إذا انفرد ، وهذا يقتضي أنّ الفعل لو انفرد بالحسن لصحّ أن يختار له كما اختير له وللنفع .
هامش
- ( الشامل ) ص : 471 ، الإسكندرية ، سنة 1969 ، وقال إنّه : « مسائل تكلّم فيها على نقض مذاهب البغداديين من المعتزلة » .
( 1 ) . في الأصل : يكون .
( 2 ) . في الأصل : التصحيح .
( 3 ) . في الأصل : تأثير .
( 4 ) . في الأصل : للنافع .