الإرادة هاهنا لا مراد لها ، ويجري في ذلك مجرى العلم المتعلّق بأنّه تعالى لا ثاني له في أنّه لا معلوم له ، وكان أبو هاشم يفصّل بين ما ليس بمعلوم في نفسه كالبقاء ، وبين المعلوم الذي لا يجوز حدوثه على الوجه الذي يراد ، فيجعل الإرادة للأوّل غير متعلّقة وفي الثاني متعلّقة .
والصحيح أنّه لا فرق بين الأمرين ؛ لتساويهما في استحالة الوجه الذي تتعلّق عليه الإرادة .
والفرق بين الإرادة والاعتقاد في هذا الباب واضح ؛ لأنّ الاعتقاد إنّما صحّ أن يكون متعلّقا بالمعتقد على صفة ، وإن استحالت تلك الصفة في الاعتقاد فيما نقضي .
وفيه : إنّه سيحدث ولم يجز ذلك في الإرادة ؛ لأنّ الاعتقاد يتعلّق بمتعلّقه على وجوه ، ولا يختصّ وجها معيّنا ، والإرادة لا تتعدّى الحدوث ، والأولى فيما يستحيل حدوثه أنّه إنّما لا يراد لاستحالة الإرادة في نفسها لا لفقد الداعي ، بخلاف ما ذهب إليه قوم في ذلك ؛ لأنّ الوجه الذي لا تتعلّق الإرادة إلّا عليه إذا استحال استحال تعلّقها .
فأمّا ما سها عنه أحدنا ، أو اعتقد استحالة حدوثه جهلا ، فإنّما لا يريده لأجل الداعي وللجملة التي ذكرناها ، صحّ أن يراد الإرادة ؛ لأنّ الشرط فيما يصحّ أن يراد الإرادة حاصل فيها ، من صحّة الحدوث وعلم المريد أو اعتقاده لذلك ، وإنّما لا يصحّ أن تراد إذا غمضت ؛ لأنّ غموضتها يجري مجرى سهو المريد عنها ، ولا فرق بين من فرّق بين الإرادة وغيرها فيما ذكرناه ، وبين من فرّق في ذلك بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح .
فأمّا ما يجب أن يراد : فالوجه فيه ما يرجع إلى المريد دون المراد ؛ لأنّ العالم بما يفعله لا بدّ من أن يكون غرض فيه حتى يفعله ، وإذا فعله لغرض يخصّه فلا بدّ من أن يكون مريدا له ، إذا لم يكن ممنوعا من فعل الإرادة ؛ لأنّ ما دعاه إلى الفعل يدعوه إلى إرادته ، وما ألجأه إليه ملجئة إلى إرادته ، وما صرفه عنه يصرفه عن / 93 / إرادته ، ولهذا قيل : إنّ الإرادة والمراد كالشئ الواحد ، والأمر في أنّ من ذكرنا حاله لا بدّ من أن يكون مريدا واضح ، وإنّما لا يكون مريدا إمّا بأن لا يكون عالما بالفعل ، أو في حكم العالم ، أو لا غرض فيه ، أو يكون ممنوعا عن الإرادة ، ولو لم يجب ما ذكرناه لم يكن من امتنع عليه الفعل ممنوعا ؛
الملخص في أصول الدين — صفحة 346
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٤٦