وليس له أن يقول : كيف يصحّ قولكم إنّ ما فعل المجموع أمرين بفعل لكلّ واحد منهما لو انفرد ، ونحن نعلم أنّ المصدّقين لو تساويا في النفع المتوصّل لكلّ واحد منهما إليه ، وفي الآخر ضرر ليس في الآخر ، لكان من علم ذلك من حالهما يختار الذي لا ضرر فيه للنفع وفقد المضرّة ، ومع هذا فلو انفرد الفعل بأنّه لا ضرر فيه ، لما كان ذلك داعيا إلى فعله ، وذلك أنّ الضرر الذي في الصدق لا يخلو من وجهين :
إمّا أن يكون معتدّا به ، أو غير معتدّ بمثله .
فلو كان الأوّل : أدخل الفعل في أن يكون قبيحا ، لإمكان التوصّل إلى النفع من غير ضرر ، وهذا يقتضي أنّه يختار الصدق الآخر لحسنه .
وإن كان الضرر غير معتدّ به فوجوده كعدمه .
دليل آخر : وقد استدلّ أبو علي أنّ الحسن قد يفعل لحسنة ، كمن « 1 » يرشد الضالّ عن الطريق من غير تصوّر شيء من المنافع الدينية والدنيائية ، فيعلم أنّه إنّما أرشده لحسن الإرشاد ، وليس ما قدّرناه من فقد تصوّر المنافع مستبعدا ، إلّا أنّ المرشد قد يكون دهريا فلا يرجو الثواب والمنافع الدنيائية التي هي شكر المرشد أو مكافاته ، قد يجوز أن لا يخطر شيء منها بباله ، بأن يكون ممّن « 2 » لا يعرف الذي يرشده ، ولا يطمع في ملاقاته ، ولا في معرفة أحد من الناس بما فعله فيشكره عليه ، ويكون ممّن لا يرقّ قلبه عليه ، فيدفع بخلاصه الضرر عن نفسه ، وكلّ هذا جائز غير متعذّر .
دليل آخر : وقد استدلّ أبو عبد اللّه « 3 » على ذلك ، بأنّ أحدنا يفرّق بين المحسن والمسئ بقلبه ، ويعزم على شكره ، وقد وجب في عقله هذه التفرقة ، ولا يجوز أن يجب عليه ما لا يصحّ أن يفعله .
وهذا المعنى من حيث كان باطنا في القلب لا طريق لأحد إلى العلم به ، فلا يمكن أن يقال : إنّه فعله ليمدح ويعظم عليه ، أو ليدفع به ضرر الذمّ والاستحقاق المستحقّين على
هامش
( 1 ) . في الأصل : بمن .
( 2 ) . في الأصل : بمن .
( 3 ) . الظاهر أنّه الحسين بن علي ، أبو عبد اللّه البصري الملقّب بالجعل ، من رؤوس المعتزلة ، له تصانيف كثيرة على مذهبهم ، حنفي المذهب ، منتشر الصيت ، واسع العلم ، يرجع إلى قوّة عجيبة في التدريس وطول نفس في الإملاء ، ولد سنة 293 ه وتوفي سنة 369 ه عن نحو ثمانين عاما .