فصل في ذكر ما يصحّ أن يراد ، أو يجب ، أو يحسن ، وما لا يجب ذلك فيه ، أو لا يصحّ ، أو لا يحسن
اعلم أنّ المراعى فيما يصحّ أن يراد أمران :
أحدهما : ما يرجع إلى المراد نفسه .
والآخر : راجع إلى المريد .
فالراجع إلى المراد : أن يكون ممّا يصحّ حدوثه مستقبلا ، أو هو حادث في الحال ، وإن جمعت الأمرين في قولك أن يكون الحدوث غير مستحيل عليه جاز .
وما يرجع إلى المريد : هو ألّا يكون ساهيا عنه ، إمّا بأن يكون عالما به أو معتقدا أو ظانّا .
والذي يدلّ على الشرط الأوّل : إنّا قد بيّنّا أنّ الإرادة إنّما تتعلّق بالحدوث ، فإذا امتنع وجه تعلّقها ، امتنع تعلّقها .
والذي يدلّ على صحّة الشرط الثاني ظاهر ، لأنّ من المعلوم أنّ الساهي عن الشيء لا يجوز أن يريده .
وما يستحيل أن يحدث على ضربين :
أحدهما : ليس بمعلوم في نفسه ، كبقاء الأجسام .
والثاني : أن يكون معلوما والحدوث يستحيل عليه ، إمّا على كلّ حال ، وإمّا على بعض الوجوه ، نحو ما يقضي وقته من المقدورات ، فإنّ حدوثه محال على كلّ حال ، ونحو المقدور الذي لم يحضر وقته ، فإنّ حدوثه يجوز على وجه وممتنع على آخر ، ونحو الجواهر والأجناس الباقية التي يستحيل حدوثها حالا بعد حال من غير توسّط عدم ، والجميع ممتنع تعلّق الإرادة ، وغير ممتنع أن يراد ما يمتنع حدوثه على بعض الوجوه ، ويصحّ على آخر متى تعلّقت الإرادة بالوجه الذي يصحّ حدوثه عليه ، كتعلّق الإرادة بحدوث المقدور الذي لم يحضر وقته ، في الوقت الذي يصحّ أن يوجد فيه ، وما أحلنا تعلّق الإرادة به ممّا ذكرناه لا يمتنع أن يكون مرادا إذا اعتقد المريد صحّة حدوثه ، إلّا أنّ