ولهذا نقول : إنّ الدواعي قد تختلف أحكامه ، فبعضها يدعوا على سبيل الجواز ، وهذا ممّا سنستقصيه فيما يجيء من الكتاب بمشيّة اللّه .
فإن قيل : كما أنّ العالم بقبح القبيح وغناه عنه لا يختاره ، وكذلك لا يجوز أن يختار العاقل الفعل الحسن إلّا لنفع أو دفع ضرر ، وهذا يوجب ألّا يفعل تعالى الحسن كما لا يفعل القبيح ؟
قلنا : أوّل ما ندفع هذا السؤال ونبطله ، إنّا لمّا ادّعينا « 1 » أنّ العالم بقبح القبيح وبأنّه غنيّ عنه لا يختاره ، رجعنا في ذلك إلى ضرورة العقول ، وحملنا الغائب على الشاهد بالعلّة الموجبة للحكم ، وليس هكذا ما سألنا عنه ؛ لأنّ أحدنا لا يمكنه أن يدّعي أنّ العالم بأنّ أحدنا لا يفعل الحسن إلّا للنفع أو دفع الضرر ضروري ، ولو كان الحكم الذي ادّعوه معلوما في الشاهد لما صحّ لهم ردّ الغائب إليه ، لعلّة الجمع [ بين ] الأمرين ، كما فعلنا ذلك في علّة الامتناع من القبيح ، فصحّ بطلان الإلزام .
وممّا يدلّ على الفرق بين الأمرين ، وأنّ الحسن قد يفعل لحسنه ، أنّه تعالى قد ثبت كونه محدثا للعالم ، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبيحا أو حسنا ، أوليس بقبيح ولا حسن :
ولا يجوز أن يعري فعله تعالى من القبح والحسن مع كونه عالما غير ساه .
ولا يجوز أن يكون قبيحا ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الغنيّ العالم بقبح القبيح ، وبأنّه غنيّ عنه ، لا يجوز أن يختاره ، ودللنا أيضا فيما تقدّم على أنّه تعالى غنيّ عالم ، فلم يبق إلّا أنّ ما فعله حسن ، وأنّه فعله لحسنه ؛ لأنّه لا وجه سواه .
وهذه طريقة كان يعتمدها أبو إسحاق بن عيّاش « 2 » .
دليل آخر : وقد استدلّ أبو هاشم على ذلك ، بأنّا نعلم ضرورة أنّ من خيّر بين صدق وكذب مستويين ، فيما له يفعل الأفعال من المنافع وكلّ حكم إلّا في الحسن والقبح ، لا يختار الكذب ، بل يختار الصدق ، نعلم إنّما اختاره لحسنه ؛ لأنّ ما عدا ذلك قد فرضنا أنّ الكذب يشاركه فيه .
هامش
( 1 ) . في الأصل : ادعيناه .
( 2 ) . هو إسحاق بن عيّاش البصري ، من رؤوس المعتزلة ، كان تلميذا لأبي هاشم الجبّائي وأبي علي محمّد بن خلّاد ، وكان من تلاميذه القاضي عبد الجبّار ، توفى في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري .