فإن قيل : ألا علّلتم كونه غير مختار للكذب ، بأنّه لا داعي له إلى فعله لا بما قلتموه ؟
قلنا : أوّل ما في هذا السؤال أنّه لا يمنع من غرضنا في هذه المسألة ، وحمل الغائب على الشاهد ؛ لأنّه يقتضي أن يكون تعالى لا يختار القبيح لارتفاع الداعي إليه ، إذا كان الداعي إلى القبيح لا يكون إلّا لحاجة إليه ، أو ما في معناها من اعتقاد الحاجة أو الجهل بالقبح ، وهذا منتف عنه تعالى ، إلّا أنّ هذا وإن كان لا يمنع من الغرض ، فالتعليل بما ذكرناه أولى ؛ لأنّ النفع موجود في الكذب ، والعلم بالنفع داع ، وليس يخرجه من كونه داعيا ثبوت مثله من النفع في الصدق ، وإن كان الصارف الحاصل في الكذب قد غلب حكمه ؛ لأنّ حكم الصارف أقوى .
ولو جاز أن يعلّل كونه غير مختار للكذب هاهنا بنفي الداعي ، جاز أن يعلّل امتناع العاقل مما يضرّه ضررا محضا بفقد الداعي ، وقد / 91 / علمنا أنّ تعليل ذلك بالصارف أولى .
وأيضا : فإن تجدّد كونه غير مختار للكذب ، حكم يتبع ما ذكرناه من كونه عالما غنيّا ، وعند تجدّده له يتجدّد ولا داعي له غير متجدّد ، وتعليق الحكم بما يجاوره إذا أمكن أولى من تعليقه بما تقدّم عليه .
والذي يبيّن ما ذكرناه : أنّ الساهي يجوز أن يختار القبيح ، مع أنّه لا داعي له إليه ، فكيف يصحّ أن يعلّل كونه غير مختار للقبيح بأنّه لا داعي إليه ؟
فإن قيل : لم أوجبتم إذا لم يجيز للّه تعالى بعض القبائح بقبحه ، ألّا يختار جميع القبائح ؟
ولم تقولوا : إنّه إذا فعل بعض الحسن لحسنه يجب أن يفعل كلّ حسن ؟
قلنا : يجب الرجوع في أحكام الدواعي إلى الشاهد ، وإلى ما يدلّ عليه الأدلّة ، ولا يحمل بعضا على بعض ، وقد علمنا أنّ بين من لم يفعل قبيحا لعلمه بقبحه وغناه عنه ، لا يجوز أن يختار شيئا من القبائح هذه حاله ، وأنّ هذا حكم مطرد في الجميع ، وليس كذلك الحسن ؛ لأنّ أحدنا قد يفعل فعلا حسنا لحسنه ، فلا يجب أن يفعل كلّ ما يشاركه في الحسن ، ولهذا قد يتصدّق بدرهم من جملة دراهم لكونه حسنا ، وإن لم يجب أن يتصدّق بكلّ درهم .
الملخص في أصول الدين — صفحة 340
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٤٠