والمضارّ ، وبلوغهم أيضا قدرا مخصوصا ، والحسن لا تأثير له في الإلجاء ؛ لأنّه قد يثبت ولا إلجاء ، وإذا صحّ ذلك وجدنا بأنّ ما « 1 » في الكذب والصدق من النفع يتساويان على ما فرضناه ، فلو كان ملجأ إلى الصدق لكان الكذب بمنزلته ، لتساويهما في الداعي ، ولو كان ملجأ إلى أن لا يختار الكذب لكان الصدق بمنزلته ، على أنّ من آثر العدل على الظلم ، والصدق على الكذب منّا ، يستحقّ المدح على ذلك ، ولو كان ملجأ لم يستحقّ مدحا .
فإن قيل : ما أنكرتم أنّ من ذكرتم حاله ، إنّما لا يؤثر الكذب على الصدق ؛ لأنّه يعلم أنّ العقلاء يذمّونه على الكذب ، ويسقط به منزلته بينهم ، فلا يؤثر ما فيه مضرّته ، أو لاستحقّ الذمّ عليه ، وهذا يمنع من تساويهما عنده ؛ لأنّهما لا يتساويان لما ذكرناه ؟
قلنا : إنّما بيّنّا كلامنا على أنّهما إذا تساويا فيما يفعل له الأفعال من المنافع ودفع المضارّ ، ولم يكن في أحدهما من ذلك إلّا ما في الآخر ، لم نختر الكذب ، فإن كان ممّن يستضرّ بذمّ العقلاء أمكن أن يتساويا عنده من وجهين ، إمّا أن يكون في القبيح نفع زائد على ما في الصدق يعدل ما فيه من المضرّة ، أو « 2 » أن يكون في الحسن قصد مشقّة بإزاء ما في القبيح من المضرّة .
وليس لأحد أن يقول : إنّ الحال إذا كانت هذه ، جاز أن يختار الكذب ؟ لأنّا نعلم ضرورة أنّ مع التساوي لا يجوز أن يختار القبيح ، وإنّما قدرنا ما يدخلها في التساوي ، ولا يوجب زيادة أحدهما على صاحبه في النفع ، على أنّ من لا يخطر بباله ذمّ العقلاء ، ولا يكون ممّن يستضرّ بذلك أو يسقط به منزلته ، فإنّ هذا ممّا يمكن تقديره بعلم أنّه لا يفعل القبيح ، فبطل أن تكون العلّة ما ذكروه .
وكيف يكون اعتقاده بأنّ « 3 » العقلاء يذمّونه صارفا ، وهو لو اعتقد حسن الكذب جاز أن يختاره على الصدق ، مع اعتقاده أنّ العقلاء يذمّونه ؟
فأمّا التعليل بأنّه امتنع من الكذب لاستحقاق الذمّ ، فهو الذي أردناه ؛ لأنّ ذلك هو حكم بقبيح ، ولا فرق بين أن يعلّل امتناعه بالقبح أو يحكم لقبح الذي هو استحقاق الذمّ ، وهذا لا يمنع من عمل الغائب على الشاهد .
هامش
( 1 ) . في الأصل : منا .
( 2 ) . في الأصل : و .
( 3 ) . في الأصل : لأنّ .