إلى الجسم العظيم عن الأخرى ، وهذا ثابت فيما قدّرناه من الكذب والصدق إذا تساويا فيما يوصلان إليه من النفع .
على أنّ هذا آكد فيما نحتاج إليه ؛ لأنّ أحدنا إذا كان - مع أنّ الغنى لم يثبت له بإطلاق - مع أنّه لا ينفك من الحاجة ، لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق ، وهذه حالهما فمن يكون مستغنيا عن الحقيقة ولا يجوز الحاجة عليه أولى بذلك .
فإن قيل : دلّوا على أنّ من كانت حاله ما ذكرتم لا يختار القبيح ؟
قلنا : العلم بذلك ضروريّ لا يشتبه على عاقل ، ولا فرق بين من جوّز أن يختار العاقل الظلم والكذب وهو مستغني عنهما بالصدق والعدل وعالم بقبحهما ، وأنّه غنيّ عنهما ، وبين من جوّز أن يختار ما فيه ضرر من الأفعال على ما لا ضرر فيه ، وأن يقدم على قتل نفسه والإضرار بها ، من غير تصوّر شيء من المنافع .
فإن قيل : فما الدليل على أنّ العلّة في أنّه لا يختار الكذب ما ذكرتم ؟
قلنا : لأنّه متى جهل قبح الكذب جاز أن يختاره ، وكذلك لو اعتقد أنّه له فيه نفعا زائدا جاز أن يؤثره على الصّدق ، ومتى علم قبحه وغناه عنه ، لم يجز أن يختاره ، وإذا كانت الحال هذه لم يمكن تعلّق أنّه لا يختاره بوجه آخر هناك ، فيجب أن تكون العلّة ما ذكرناه ؛ لأنّ الطريق إلى معرفة العلل ثابت في هذا الموضع .
واعلم أنّ المعتبر في باب الدواعي ، بما عليه الفاعل دون ما الفعل عليه في نفسه ، ولهذا اعتبرنا فيما يصرف عن الكذب علمه بقبحه ، وبأنّه غنيّ عنه ، ولم نقتصر على كونه مستغنيا .
والذي يبيّن ما ذكرناه : إنّه لو كان مستغنيا على الحقيقة ، واعتقد حاجته إليه ، جاز أن يختاره ، كما أنّه إذا كان قبيحا على الحقيقة واعتقد حسنه جاز أن يختاره ، وكما شرط في باب القبح علمه لقبحه ، كذلك يجب أن يشترط في باب الغنى .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون من ذكرتم حاله ملجأ إلى فعل الصدق ، أو إلى أن لا يختار الكذب ؟
قلنا : الإلجاء إذا لم يكن من باب النفع وتعلّق بالدواعي ، فهو موقوف على المنافع
الملخص في أصول الدين — صفحة 338
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٣٨