[ باب ]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، وبه ثقتي
فصل في الدلالة على أنّه [ تعالى ] لا يختار فعل القبيح
الذي يدلّ على ذلك أنّه تعالى عالم بقبح القبيح ، وبأنّه غنيّ عنه ؛ لأنّه عالم بنفسه على ما تقدّم ، فلا بدّ من كونه عالما بجميع المعلومات ، ومن جملتها فعل القبيح ، وأنّه تعالى غنيّ عنه ، ومن كانت هذه حاله لا يجوز أن يختار القبيح ؛ لأنّ علمه بما ذكرناه صارف له عن فعله .
يدلّ على ذلك : إنّ أحدنا متى استغنى عن الكذب ، بأن علم أنّ ما يصل به إليه بعينه بالصدق ، وكان عالما بقبح الكذب ، وبأنّه غنيّ عنه ، لا يجوز أن يختاره على الصّدق .
فإن قيل : دلّوا على أنّ أحدنا يصحّ أن يستغني بالصدق عن الكذب ، مع أنّه لا ينفك من الحاجة ؟
قلنا : قد يستغني أحدنا عن الشيء على وجهين :
أحدهما : بأن يكون ممّا لا ينتفع به ولا يدفع به ضررا .
والوجه الآخر : أن يكون له فيه نفع يمكنه الوصول إليه بعينه بغيره ، ولهذا يصحّ القول بأنّه يستغني بإحدى يديه في حمل الجسم الخفيف عن الأخرى ، وبإحدى عينيه في النظر