فصل في أنّه تعالى يقدر على كلّ جنس من المقدورات
لنا في هذا الباب طريقان :
أحدهما : أن [ نبيّن على سبيل الإجمال ] دلالة على أنّه تعالى قادر على كلّ الأجناس في الجملة .
والطريق الآخر : أن نبيّن على سبيل التفصيل والتعيّن ، أنّه تعالى قادر على كلّ جنس منها .
والذي يبيّن الطريقة الأولى : أنّه قادر ، وما اقتضى تخصيص القادر ببعض المقدورات دون بعض غير ثابت فيه ؛ لأنّ الذي يقتضي تخصيص الأجناس هو القدرة ، كما أنّ الذي يقتضي اختصاصها في التعلّق بجزء واحد ، والوقت والمحلّ والجنس واحد ، هو كونها قدرة ، وإلّا فالقادر من حيث كان قادرا لا يقتضي الاختصاص بجنس دون جنس ، كما لا يقتضي الاختصاص بقدر دون قدر ، ولهذا قدر القادر منّا في الوقت والمحلّ الواحد من الجنس الواحد ، على الأجزاء الكثيرة بحسب عدد قدره ، وفارق في ذلك القدرة التي تختصّ على الشروط التي ذكرناها بالجزء الواحد .
وإذا ثبت أنّه لا مقتضي لذلك في الأقدار والأعداد ، وجب أن يقدر على كلّ جنس ، كما وجب كونه قادرا على ما لا نهاية له من الأعداد .
والذي يبيّن صحّة هذه الطريقة : إنّ حال القادر لنفسه أقوى من حال القادر بقدرة ، ولهذا قدر على ما لا يتناهى من الجنس الواحد ، والوقت والمحلّ واحد ، وقدر على أجناس لا يقدر عليها القادر منّا ، وإذا كانت له المزية علينا ، وجب أن يكون قادرا على أجناس مقدوراتنا .
يوضّح ذلك : إنّ القدر كلّها مشتركة في التعلّق بأجناس مخصوصة ، ولا يصحّ اختلاف حالها في ذلك ، وقد ثبت أنّه تعالى قادر على بعض الأجناس التي يتعلّق بها القدر ، فيجب أن يكون قادرا على سائر الأجناس التي يتعلّق بها القدر ؛ لأنّ حاله تعالى إن لم تزد على حالها لم تنقص .