وأمّا الطريقة الثانية : فالذي يبيّنها أنّا قد علمنا أنّ أجناس المقدورات على ضربين :
أحدهما : يختصّ هو تعالى بالقدرة عليه ، ولا يدخل تحت قدر العباد ، وهذا ممّا لا شبهة فيه ؛ لأنّه لو لم يكن مقدورا له تعالى والعباد لا يقدرون عليه ، لخرج من أن يكون مقدورا في نفسه .
والضرب الآخر : هو ما يقدر العباد على جنسه ، وفيه الشبهة ، ونحن نبيّن أنّه تعالى قادر عليه جنسا .
أمّا الأكوان : فلا بدّ من كونه تعالى قادرا عليها ، لقدرته على الجواهر المضمّنة وجودها ، وألّا يصحّ أن يوجد الجواهر « 1 » إلّا بأن يوجد الجوهر ، ويفعل بعض القادرين منّا الكون فيه ، وذلك أنّ كلامنا في أوّل جسم يخلقه اللّه تعالى ؟
وهذا السؤال لا يتأتّى فيه ، على أنّ القادر بقدرة لا يصحّ أن يفعل الكون في غيره إلّا متولّدا عن الاعتماد ، والاعتماد إنّما يولّد الكون في غير محلّه ، بشرط تقدّم مماسّة محلّه لمحلّ الكون ، بدلالة أنّ المماسّة لا بدّ منها حتى يتولّد الكون عن الاعتماد ، فأمّا أن يكون شرطا في وجود الكون ، أو توليد الاعتماد - ولو كانت شرطا في وجود الكون - لما صحّ وجوده في الجزء المنفرد / 89 / ، فيجب أن يكون شرطا في كون الاعتماد مولّدا ، وقد علمنا أنّ الاعتماد يجوز عدمه في الثاني مع حصول مسبّبه ، فبطل أن يكون مماسّة محلّ الاعتماد لغيره في حال التوليد هي الشرط ، وثبت أنّ المماسّة تجب حصولها في الابتداء بين محلّ الاعتماد ومحلّ الكون ، وهذا يقتضي مماسّة الجوهر الموجود للجوهر المعدوم .
على أنّ من جعل الشيء على صفته ، يجب عن علّة ، فلا بدّ من كونه فاعلا لتلك العلّة ؛ لأنّ معلول العلّة لا ينفصل منها ، فمن أوجد الجوهر في جهة ، لا بدّ من أن يكون هو الفاعل ، لما به يكون في تلك الجهة ، وهذا واضح .
وإذا ثبت أنّه تعالى قادر على الكون ، لكانت الأكوان متضادّة ومتماثلة ، وقد صحّ أنّ القادر على الشيء قادر على مثله وضدّه في الجنس ، فيجب أن يكون تعالى قادرا على جميع أجناس الأكوان .
هامش
( 1 ) . في الأصل : الجوهر .