فأمّا التأليف : فيجب تعالى كونه قادرا على جنسه من وجهين :
أحدهما : إنّ أوّل حيّ خلقه اللّه تعالى ، لا بدّ أن يكون تأليفه من فعله ؛ لأنّ لا قادر سواه .
والوجه الثاني : إنّه إذا قدر على الكون والكون يولّد التأليف ، ومن شأن القادر على السبب أن يكون قادرا على المسبّب ، فيجب أن يكون قادرا على التأليف من حيث قدر على سببه ، وبهذا يعلم أنّه تعالى قادر على الألم واللّذة ؛ لأنّ الكون يولّدهما .
وأمّا الاعتمادات : فيجب أن يكون تعالى قادرا عليها ؛ لأنّها تولّد الأكوان ، ومن حقّ القادر على الشيء على جهة الابتداء أن يقدر عليه على جهة التوليد ، وكما أنّ من قدر على السبب أن يقدر على المسبّب ، وكذلك يجب فيمن قدر على المسبّب أن يقدر على السبب .
وأيضا : فإنّ الرطوبة مضمن وجودها بوجود الاعتماد اللازم سفلا ، فلا يخلو أوّل حيّ يخلقه اللّه تعالى من ذلك ، فيجب أن يكون هذا الاعتماد مقدورا له ، والقادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على الأصوات والحروف ؛ لأنّها يتولّد عنه إذا كان على وجه المضادّة ، وإذا قدر على الحروف ، فهو قادر على الكلام ؛ لأنّ ذلك ليس بأكثر ممّا له نظام مخصوص من الحروف ، ويجب أن يكون قادرا على جنس الكلام ونوعه ، سواء قيل : إنّه متضادّ أو لم يقل ذلك فيه .
فأمّا الاعتقادات والعلوم : فيجب كونه تعالى قادرا عليها ؛ لأنّه المختصّ بخلق كمال العقل ، وسائر العلوم الضروريّة فينا ؛ ولأنّ معارف أهل الآخرة - على ما سندلّ عليه بمشيّة اللّه - لا تكون إلّا ضروريّة من فعله تعالى .
وإذا ثبت كونه قادرا على هذه العلوم ، وجب أن يكون قادرا على جنس الاعتقاد ؛ لأنّ كلّ من قدر على إيجاد الشيء على وجه زائد على الوجود ، كان قادرا على مجرّد إيجاده ، ويجب أن يكون قادرا على الجهل ؛ لأنّ القادر على الشيء قادر على ضدّه ، والعلوم وإن كانت أجناسا مختلفة ، من حيث كان الاعتبار في تماثلها التعلّق المخصوص ، فالكلّ نوع واحد لاشتراكه في قضيّة واحدة ، ومن حقّ القادر على الشيء أن يكون قادرا على نوعه ، كما يجب ذلك في الجنس والضدّ .
الملخص في أصول الدين — صفحة 333
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٣٣