الملائكة والأنبياء لا يقدرون على المعاصي من حيث علم أنّهم لا يفعلونها ، وأن يكون الملجئ إلى الفعل لا يقدر على خلافه .
على أنّ كون بعض الفاعلين ممّن لا يفعل أبدا القبيح ولا يختار إيجاده ، ولو أوجب كونه غير قادر عليه ، لوجب متى علمنا أنّ أحدنا لا يختار القبيح في وقت واحد وأوقات قصيرة ، ألّا يكون قادرا عليه ؛ لأنّه ما اقتضى خروج القادر من كونه قادرا لا يختلف ، طال وقته أو قصر ، كسائر ما تقدّم ذكره من وجود المقدور وتقضّي وقته . وعلى هذا صحّ كون القادر قادرا على الضدّين ، وإن لم يصحّ أن يفعلهما معا .
فأمّا ما اعترضوا به من الجمع بين الضدّين ، فانّا لم ننف كون ذلك مقدورا ، من حيث لم نجز وقوعه ، من حيث علمنا « 1 » استحالته في نفسه .
والجواب عن الشبهة الثانية : إنّ العبارات قد تدخلها الصحّة والفساد ، وما علم بالأدلّة لا يجوز أن يدخله الفساد ، فيجب فيما دلّت عليه الدّلالة أن نجتنب من العبارات ما يقتضي فساده ، فلو قلنا : إنّ وقوع الظلم منه تعالى يدلّ على جهله أو حاجته ، لوجب أن يكون على إحدى هاتين الصفتين ، وإن لم يفعل الظلم ، وما علمناه من كونه عالما غنيّا يمنع من ذلك ، وإن قلنا : إنّه لا يدلّ ، نقض هذا القول دلالة الظلم في الشاهد على جهل فاعله أو حاجته .
وإن قلنا فرارا من ذلك : إنّه غير قادر على الظلم ، نقض ما علمناه بالأدلّة من كونه قادرا على ذلك ، فاقتصرنا على القول بأنّ الظلم لو وقع منه لكان ظالما ولاستحقّ الذمّ ؛ لأنّ ذلك كالموجب عن الظلم ، ولا يؤدّي إطلاقه إلى نقض الأدلّة .
ولا بدّ لمن سأل عن ذلك من التعويل على مثل جوابنا ، إذا سأل عن الملك إذا فعل ما يقدر عليه من المعصية ، هل يكون خبره تعالى عن أنّه لا يفعلها صدقا ودلالة أو لا يكون ؟
فإن قيل : إنّه دلالة على أنّه لا يفعل ، وقد فعل !
وإن قلنا ألا يكون دلالة ، فإنّه « 2 » أيضا فاسد .
وكذلك إذا سأل عن القديم تعالى أو « 3 » علم خلاف ما علم أنّه يفعله ، لكان يخرج من
هامش
( 1 ) . في الأصل : علمت .
( 2 ) . في الأصل : فإن .
( 3 ) . في الأصل : لو .