وقولهم أيضا : لو كان الظلم في مقدوره ، لكنّا متى قدّرنا وقوعه ، لا يخلو من أحد أمرين :
إمّا أن يكون دالّا على كونه جاهلا أو محتاجا ، أو لا يكون دالّا على ذلك ؟
فإن دلّ على ما ذكرناه ، وجب / 87 / كونه تعالى على إحدى هاتين الصفتين . ألا ترى أنّ أحدنا متى وصفناه بالقدرة على أن يدلّ على أنّ زيدا في الدار ، وجب أن يكون زيد في الدار ؟
وإن كان لا يدلّ الظلم منه على ما ذكرناه ، وجب أن لا يدلّ وقوع الظلم الواقع من أحدنا على أنّه جاهل أو محتاج .
وليس لأحد أن يمتنع من الجواب عن ذلك ، بأنّه يدلّ أو لا يدلّ ؛ لأنّه نفي وإثبات بلا واسطة بينهما ، ولا له أن يقول : إنّ النفي والإثبات إذا لم يتقابلا « 1 » يرجعا إلى أمر واحد ؛ لأنّ الظلم المقدّر وقوعه لا يخلو لو وقع ونظر ناظر فيه ، بأن يفضي نظره إلى العلم بأنّ فاعله محتاج أو جاهل ، أو لا يفضي إلى ذلك ، فبان [ أنّ ] النفي والإثبات هاهنا متقابلان وراجعان إلى ذات واحدة .
والجواب عن الشبهة الأولى : إنّا لا نقول : إنّ القبيح منه تعالى جائز ، وإن كان قادرا عليه ؛ لأنّ لفظة « الجواز » حقيقة في الشكّ ، وإن استعملت في غيره ، وإذا علمنا بالدليل القاطع أنّه تعالى لا يفعل القبيح ، لم يطلق من الألفاظ ما يقتضي الشك في ذلك ، فإنّما استعملت لفظة « الجواز » [ في ] الصحّة التي معناها نفي الاستحالة ؛ لأنّه كان يؤدّي إلى صحّة إطلاق القول بأنّ اللّه تعالى يجوز أن يكون عالما ، وأنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يجوز أن يكذب ، ولما ذكرناه أخيرا يفسد أن يكون معنى « الجواز » معنى القدرة .
فأمّا إطلاق القول بأنّ القبيح صحّ منه ، فإنّا نجيب السائل عن ذلك :
بأنّك إن أردت بالصحّة القدرة ، فهو يصحّ منه .
وإن أردت الجواز ، فأمّا نمنع منه لما تقدّم ، وليس يجب إذا علمنا بالدليل في بعض الأفعال أنّه لا يقع ، وامتنعنا من جواز وقوعه والشك في ذلك من حاله ، أن نقضي بأنّه غير مقدور ، ولأنّ هذا يقتضي أن يكون غير قادر على ما علم أنّه لا يفعله ، ولوجب أن تكون
هامش
( 1 ) . في الأصل : + و .