فأمّا ما يدلّ على أنّ القبيح لم يقبح للنهي : فهو أنّ النهي لو كان علّة في قبح الفعل ، لم يخالف فيه نهينا لنهيه تعالى ، وكان يجب أن يكون نهينا موجبا لقبح ما يتناوله ، وهذا يقتضي قبح ما ينهى عنه العباد ، ويوجب أيضا أن يكون الشيء حسنا قبيحا ، بأن يأمر به آمر وينهى عنه ناه ، ووجب أن يقبح الإيمان وشكر النعمة والإحسان ، وينهى عنه تعالى ، وكلّ ذلك فاسد .
وليس لهم أن يفرّقوا بين نهيه تعالى ونهينا في اقتضاء قبح الفعل ، كما فرّقنا نحن بينهما في الدلالة على قبحه ، وذلك أنّ العلّة لجنسها تؤثّر ، ونهينا من جنس نهيه تعالى ، فيجب أن يؤثّر ! .
ألا ترى أنّ الكون المخصوص من فعله ، لمّا كان علّة في كون الكائن في جهة مخصوصة ، أثّر ما يفعله من ذلك الجنس تأثير ما يفعله تعالى ، ولم يختلفا في باب التأثير ، والدلالة لا يدلّ لجنسها ، وإنّما يدلّ لوقوعها على بعض الوجوه ، فلا يمتنع أن يكون نهيه تعالى دالّا على القبح دون نهينا ، من حيث كان النهي دلالة الكراهة ، والحكيم لا يكره إلّا القبيح ، فلهذا فارق نهيه في الدلالة لنهي من ليس بحكيم منّا .
وليس لهم أن يشترطوا في إيجاب نهيه لقبح الفعل ، صدوره من ربّ مالك .
وذلك أنّه قد يكون ربّا مالكا ، ولا ينهى عن الفعل ، فلا يكون قبيحا ، فيجب أن يكون النهي هو المؤثّر .
على أنّ علّة الحكم ما جاورته ، دون ما تقدّمت عليه ، والنهي أقرب إلى القبح من كونه ربّا مالكا ، ولهذا كان وجود الحركة هو الموجب لكون المتحرّك متحرّكا دون وجوده ، ولو جاز أن يشترط ذلك في إيجاب النهي منه ، لجاز اشتراطه في سائر العلل ، نحو الحركة والعلم وما أشبههما .
وأمّا ما يسأل عنه : من أنّ نهي مالك الدار عن دخولها يؤثّر في قبح الدخول ، من حيث كان مالكا ، دون نهي من ليس بمالك للدار ؟
والجواب عنه : / 85 / إنّ نهي مالك الدار إنّما أثّر ، من حيث دلّ من حاله على أنّه غير راض بالدخول ، وأنّه يضرّ به ، ونهي غيره ليس له هذا الحظّ ، ونهي القديم تعالى عند
الملخص في أصول الدين — صفحة 319
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣١٩