وممّا أجيب به عن ذلك : إنّ المجبّرة لم تنف فيما يفعل القديم تعالى - على مذاهبهم - من الظلم في العباد كونه قبيحا ، واستحقاق الذمّ به إلى المكتسب دون الخالق ، وهذا ممّا يجوز أن يدخل الشبهة في مثله ؛ لأنّ العلم الضروري إنّما يتناول قبح ما له هذه الصفة على الجملة ، وأنّ الذمّ مستحقّ بذلك ، ولا يتناول أنّه يقبح من كلّ فاعل ، بل ذلك مستدلّ عليه .
وهذا غير مستقيم أيضا ؛ لأنّ القبيح إنّما يقبح في العقول من فاعل يستحقّ الذمّ به ، ولا بدّ من أن يكون حال الفاعل معقولة على الجملة ، وهو من تعلّق به وأوجب وقوعه بحسب قصده ودواعيه ، وهذا التعلّق بعينه قد اعتقدوه في القديم تعالى على أبلغ الوجوه كلّها وآكدها ، فكيف يصحّ مع ذلك أن يعتقدوا حسنه من جهته ؟
على أنّ هذا لا يتأتّى فيما يعتقدون أنّه تعالى انفرد به ممّا له صفة القبيح ، كتعذيب الأطفال وما جرى مجراه ، ويكفي الاعتراض بذلك إن صحّ الجواب عن غيره .
وممّا أجيب به عن ذلك : إنّه غير ممتنع في العلم الضروري ، أن يكون اللّه تعالى يحدثه في العقلاء متى خلوا من الشبهة ، فمتى أدخلوها على نفوسهم لم يجز إحداثه فيهم ، وعلى هذا يجوز أن تكون المجبّرة صادقة فيما يخبر بها عن نفوسها ، وأنّ العلم الضروري بقبح القبائح حاصل لغيرها ممّن خلا من الشبهة .
وهذا ظاهر الفساد ؛ لأنّ من كمال العقل عندنا العلم بقبح القبائح ، وحسن الخلق ، ووجوب الواجب على الجملة ، فمن كان عاقلا من المجبّرة لا بدّ من أن يكون عالما بذلك ، والعلم الضروري لا ينفى بالشبهة ، بل هو مانع منها ، فكيف يستقيم هذا الجواب ؟
فإن قيل : فكيف قولكم في الخوارج [ و ] قد استحسنوا / 84 / قتل من خالفهم ، وله على الحقيقة صفة الظلم ، وكذلك كثير من العرب في استحسان الغارات « 1 » وغصب الأموال ؟
قلنا : أمّا الخوارج فإنّهم اعتقدوا أنّ مخالفهم يكفر بخلافهم ويستحقّ القتل ، فلهذا استحسنوا قتله ، ولو اعتقدوا أنّه بصفة الظلم لم يجز أن يستحسنوه ، وقد بيّنّا أنّ الاعتقادات في هذا الباب يتبع بعضها بعضا ، وكذلك أيضا من استحسن الغارة « 2 » والغلبة على الأموال من العرب ، لا بدّ من أن يعتقدوا استحقاق ذلك ببعض الأمور ، إمّا بالخلاف أو
هامش
( 1 ) . في الأصل : العاداة .
( 2 ) . في الأصل : العادة .