النفي أو الابتداء بالمعاداة والحرب أو غير ما ذكرناه ، وكلّ هذا لا يقدح فيما قرّرناه من الأصول .
وأمّا الطريقة الثانية : في أنّ القبيح لا يخلو من أن يكون إنّما قبح لما ذكرناه من الوجوه ، وهي المبتنية على القسمة ، فالذي يبيّن صحّتها أنّ القبيح لا يخلو من أن يكون إنّما قبح لجنسه ، أو لحدوثه على وجه سوى ما نذكره من الوجوه ، أو لانتفائه ، أو لوجود معنى ، أو لانتفاء معنى ، أو لأحوال فاعله - نحو كونه محدثا مملوكا مربوبا - أو لأنّه نهى عنه وتجاوز بفعله ما حدّ له ، أو لما قدّمناه من وجوه القبح - نحو كونه ظلما وكفرا لنعمة وما أشبه ذلك ونحن نبطل ما عدا ما ذهبنا إليه .
والذي يفسد أن يكون قبيحا لجنسه : أنّ ذلك يقتضي قبح كلّ ألم وضرر ، وقد علمنا حسن كثير من ذلك .
وليس لأحد أن يدفع تجانس الحسن والقبيح من الضرر ، ويدّعي أنّه لا يكون إلّا مختلفا ؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ التماثل بين الذوات لا يقع بالقبح ولا الحسن ، ولا بكلّ ما يتجدّد في حال الحدوث ، وإنّما يتماثل صفات « 1 » النفس التي يحصل في العدم والوجود ، وكيف يدفع مماثلة الحسن القبيح ، وقد علمنا أنّ المدرك للكذب « 2 » لا يفصل بينه وبين الصدق ، ويشتبهان عليه كما يشتبه عليه الجوهران والسوادان .
على أنّ نفس الضرر الذي يقع ظلما ، فإنّه « 3 » يصحّ حدوثه عدلا بأن يقارنه بعض ما يخرج الفعل من كونه ظلما ، فكيف يكون قبيحا لعينه أو جنسه ؟
وبمثل ذلك يبطل القول بأنّه قبيح بوجوده « 4 » وحدوثه ؛ لأنّه يؤدّي إلى قبح كلّ محدث موجود ، ولو قبح لحدوثه - على سوى ما نذكره من الوجوه - لم يمتنع أن يقع على بعض الوجوه - التي نذكرها - نحو كونه ظلما وكفرا للنعمة إلى ما شاكل ذلك ، وإن لم يحدث على ذلك الوجوه الذي أشاروا إليه ، فلا يكون قبيحا ، وقد علمنا خلاف ذلك .
ولا يجوز أن يقبح لانتفائه ؛ لأنّ قبحه يختصّ حال الوجود ، ويمتنع مع العدم .
ولا يجوز أن يقبح لوجود معنى ؛ لأنّه كان يجب أن يكون العلم بقبحه يتبع العلم بتلك
هامش
( 1 ) . في الأصل : الصفات .
( 2 ) . في الأصل : الكذب .
( 3 ) . في الأصل : فإن .
( 4 ) . في الأصل : بوجودها .