العلّة ، إمّا على جملة أو تفصيل ، ونحن نعلم أنّه متى علمنا قبحه - وإن لم نعلم معنى من المعاني ، ولا علّة من العلل - [ علمنا علّة قبحه ] ولأنّه أيضا كان لا يمتنع أن ينتفي ذلك المعنى عمّا يقع ظلما أو كفرا للنعمة ، فلا يكون قبيحا ، أو يوجد ذلك المعنى في شكر النعمة والإحسان ومعرفة اللّه تعالى ، فيكون الجميع قبيحا .
وأيضا : فإنّ الطريق إلى بيان العلل في الأحكام لا يتأتّى في القبيح ؛ لأنّا إنّما نثبت العلّة بأن يكون الحكم المعلّل يثبت وينتفي ، والأحوال واحدة في ثبوته وانتفائه ، فيمتنع تعلّقه ببعض تلك الأحوال ، فيفتقر إلى تعليقه بأمر منفصل هو العلّة ، وهذا يتعذّر في القبيح ؛ لأنّ الحكم الذي هو القبح لا يكون ثبوته وانتفائه والأحوال واحدة .
وإذا لم يجز أن يقبح القبيح لمعنى موجود ، فأحرى أن لا يكون كذلك لمعنى معدوم !
ولأنّ كلّ معنى معقول قد يوجد ولا يخرج الظلم من أن يكون قبيحا .
ولأنّ المعدوم لا يختصّ في حال العدم ، ولا يتعلّق بغيره ، فلو قبح له الفعل مع عدم الاختصاص ، لم يكن بذلك أحقّ من غيره ، وكان يجب قبح جميع الأفعال .
فأمّا ما يبطل أن يكون أحوال الفاعل مؤثّرة في قبح القبيح ، نحو كونه محدثا مملوكا مربوبا ، فهو أنّ الأمر لو كان كذلك ، لوجب أن تكون أفعالنا كلّها قبيحة ، ولا يكون بعضها بالقبح أولى من بعض ؛ لأنّ المؤثّر في القبح حاصل ، واختصاصه بالكلّ اختصاص واحد .
وممّا يبطل أيضا ذلك : أنّه كان يجب ألّا يعلم قبح الفعل من زيد إلّا من علم كونه محدثا مربوبا ؛ لأنّ القبيح لا يعلم [ كونه ] قبيحا إلّا بعد العلم بما له صحّ ، جملة وتفصيلا على ما تقدّم ، وهذا يقتضي ألّا يعرف الدهر به ومن جرى مجراها قبح القبائح .
وأيضا : فإنّ كون الفاعل محدثا مربوبا لا تعلّق به بالفعل ، وما يؤثّر في قبح الفعل وحسنه لا بدّ أن يتعلّق به ضربا من التعلّق ، وكيف يوجب ذلك قبح الفعل ويؤثّر فيه ، وقد يحصل قبل وجود الفعل ويؤثّر فيه ، وقد يحصل قبل وجود الفعل وبعده ، ويساوي فيه الجماد والموات ، ومن مثال وجه القبح أن يتبعه القبيح ولا يفارقه .
ولا فرق بين من جعل كون الفاعل محدثا وجها بقبح الفعل مع ما ذكرناه ، وبين من قال ذلك في كونه جسما أو محلا .
الملخص في أصول الدين — صفحة 318
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣١٨