منتفعا بالجميع ومشتهيا له على « 1 » حدّ واحد .
وأيضا : فإنّ ما يرجع إلى الشهوة والنفار قد يختلف أحوال العقلاء فيه ، ولا يختلف في الفصل بين الظلم والعدل ، والإحسان والإساءة .
وأيضا : فإنّ الشهوة والنفار يختصّان المدركات ، والاستقباح يتعدّى إلى غير المدركات .
وممّا أجبته عن هذا السؤال : إنّ الظلم المعلوم قبحه في العقول هو المعلوم وقوعه ، والمجبّرة لم تعلم وقوع ما له صفة الظلم منه تعالى ، وإنّما اعتقدوا ذلك ، فلهذا جاز أن يجهلوا قبحه ويعتقدوا حسنه .
وهذا الجواب ليس بصحيح ؛ لأنّه إذا كان المستقرّ في الجملة قبح ما له صفة الظلم ، فلا بدّ ممّن اعتقد في فعل من الأفعال له بصفة الظلم - وإن لم يكن كذلك على الحقيقة - من أن يعتقد قبحه ، وليس يفتقر في هذا إلى أن يكون عالما بوقوع ذلك وصفته ، بل الاعتقاد يكفي في وجوب حصول الاعتقاد بقبحه . ألا ترى أنّ الكذب العاري من النفع ودفع الضرر لمّا كان معلوما قبحه ، وجب فيمن اعتقد في بعض الأخبار الصدق أنّه بهذه الصفة ، أن يكون معتقدا بقبحه ، وكذلك لو اعتقد فيمن لم يوقع خبرا أصلا أنّه قد أوقعه كذبا ، لوجب أن يتبع ذلك اعتقاده وقوع القبيح من جهته ، ولا يراعي في شيء من ذلك أن يكون عالما ، وهكذا القول فيمن اعتقد في بعض الأفعال أنّه إحسان و - إن لم يكن كذلك على الحقيقة - من أن يعتقد قبحه ، وفي بعض الفاعلين أنّه فاعل لما له صفته الإحسان ، وإن لم يكن فاعلا له .
وممّا يوضّح ما ذكرناه : أنّ العلم بأنّ ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا ، لما كان مستقرّا في العقول - كاستقرار العلم بقبح ما له صفة الظلم على الجملة - وجب فيمن اعتقد في ذات أنّها محدثة ، وأنّ ذاتا أخرى لم يسبقها في الوجود - وإن لم يكن لاعتقاده « 2 » أصل - أن يكون معتقدا حدوث الجميع ، ولم يؤثّر في وجوب هذا الاعتقاد الثاني أنّ المعتقد لا أصل له .
هامش
( 1 ) . في الأصل : علم .
( 2 ) . في الأصل : اعتقاده .