وإذا بيّنّا بما ذكرناه ونذكره ، أنّه لا تأثير لحال الفاعل في قبح القبيح ، سقطت شبهتهم .
وقول عبّاد يضاهي قول المجبّرة ، وإن خالفهم في ضرب من الاعتلال ؛ لأنّه اعتلّ في نفي العوض عمّا يفعله اللّه تعالى من الآلام ، بأنّه لو عوّض عن فعله لجاز أن يثبت على خلافه ، وخلافه عند التحقيق يرجع إلى تعليل ما له قبح الظلم بخلافهم ، وما له يفسد قول الكلّ واحد .
وممّا يجاب عن هذا السؤال : هو أنّ المظهر لدفع ما ذكرناه من العلوم بالقبائح ، إذا اختصّت بالصفات المعيّنة ، لا يبلغ في الكثرة إلى حدّ من لا يجوز عليه من الجماعات دفع ما يعلمه باضطرار ، وإظهار خلاف ما يبطن ، ومن تحقّق هذا الخلاف منهم .
وتفصيله : متى حصلوا كانوا آحادا يجوز عليهم الإخبار بما يعلمون خلافه ، وما استقرّ في العقول كلّها ، لا يقدح فيه ما جرى هذا المجرى . ألا ترى إنّا لا نصدّق من أخبرنا عن نفسه بأنّه يعتقد قبح الإحسان الخالص ، أو لا يعلم ما يشاهده مع التفصيل [ و ] ارتفاع اللبس ، من حيث استقرّ في العقول خلاف قوله ، وكذلك ما يقوله المجبّرة ، إذا بلغ منهم بالغ إلى هذا التفصيل .
وممّا يجاب به أيضا عن ذلك هو : إنّ القوم لم يرفعوا من فعل كلّ فاعل مفارقة الظلم للعدل ، والإحسان للإساءة ، لكنّهم اعتقدوا أنّ المرجع بهذا الفرق إلى الشهوة والنفار ، فأثبتوا الحكم المعلوم ثبوته ضرورة ، وخالفوا فيما يرجع إليه هذا الحكم ، وهذا ضرب من التفصيل ، يجوز دخول الشبهة على بعدها فيه .
فإن قيل : وأيّ شيء يفسد ردّهم ذلك إلى الشهوة والنفار ؟
قلنا : بأشياء :
منها : إنّ إطعام العسل المحرور ظلم له وإساءة إليه ، وإطعامه المرطوب إحسان إليه مع تعلّق شهوته « 1 » جميعا بهما ، فلو كان الفرق بين القبيح والحسن يرجع إلى الشهوة والنفار لاستوى هذان الفعلان ، وقد علمنا اختلافهما في العقول .
وأيضا : لكلّ فاعل أن يفصّل بين تصرّفه في ملكه ، وتصرّفه في ملك غيره ، وإن كان
هامش
( 1 ) . في الأصل : شهوتها .