وإن كان الثاني : فلا بدّ من تجويز وجود الظلم عاريا منه ، وهذا يؤدّي إلى أن يكون الظلم على بعض الوجوه حسنا ، وقد علمنا خلاف ذلك .
فإن قال قائل : كيف يصحّ ما ادّعيتموه ، من أن يكون كلّ عاقل علم الفعل ظلما علمه قبيحا ، وأنّ العلم بقبح ما له صفة الظلم ضروري ، والمجبّرة تخالف ذلك وتثبت من أفعال اللّه تعالى ما هو عندكم بصفة الظلم ويبقى كونه قبيحا ، وكذلك عبّاد بن سلمان « 1 » فإنّه ينفي الاعراض عمّا يفعله القديم تعالى من الأمراض ، وإن اعتقد حسنه .
وليس لكم أن تدّعوا علينا القول بأنّه تعالى إنّما يعذّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ، أو من حيث علم أنّهم يكفرون ، فيؤول الأمر إلى أنّ فعله لم تثبت له صفة الظلم .
لأنّا لا نقول ذلك ولا نعتقده ، وعندنا أنّه لا تأثير لذنوب آبائهم في عقابهم ، وأنّ تعذيبهم يحسن ابتداء ، على أنّا نصرّح بجواز تعذيبه أطفال المؤمنين بل للمؤمنين أنفسهم ، وإنّ اعتقادنا حسنة ، وكلّ ذلك عندكم بصفة الظلم القبيح .
قيل له : أمّا الجواب السديد عن هذا السؤال ، فهو إنّ العلم بقبح ما له صفة الظلم ، على سبيل الجملة التي ذكرناها [ و ] ، وجوب حصوله لجميع العقلاء ، مرتّب على صفة الظلم المعقولة من الشاهد ، لأنّه متى لم يميّز تلك الصفة على سبيل الجملة لم يعلم قبح ما اختصّ بها ، والظلم المعقول في الشاهد هو ما وقع منّا ، وتعلّق بنا ، وانتفت عنه الوجوه المذكورة ، من النفع ودفع الضرر والاستحقاق ، وكلّ عاقل يعلم قبح ما له هذه الصفات من الضرر ، / 83 / إلّا أنّ بعضهم ظنّ أنّ لحال الفاعل تأثيرا فيما له يقبح القبيح ، فأثبته قبيحا ممّن ليس بمالك ، وغير قبيح من المالك ، وهذا غير ممتنع ، لأنّه « 2 » العالم بعلّة الحكم ، وأنّها علّة لم تفارق العلم بالحكم ، والعلم بوجه القبح وإن كان عندنا ضروريّا على سبيل الجملة ، فلا بدّ في العلم بأنّه المؤثّر في القبح من ضرب من الاعتبار والاستدلال ، فخلاف المجبّرة على هذا غير قادح فيما ادّعيناه من العلم الضروري ، وإنّما يتناول ما يعلم بالاستدلال .
هامش
( 1 ) . هو عبّاد بن سلمان أو سليمان الضمري ( الضميرى ، العمرى ) ، عدّ في الطبقة السادسة في رجال الاعتزال ، وصفه ابن المرتضى بقوله : « له كتب معروفة ، وبلغ مبلغا عظيما ، وكان في أصحاب هشام الفوطي ، وله كتاب يسمّى الأبواب نقضه أبو هاشم .
( 2 ) . في الأصل : فأنّ .