تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨

فصل في الدلالة على أنّ في الأفعال ما ليس بحسن ولا قبيح

اعلم أنّ في الناس من استبعد ذلك ، وادّعى أنّ خلوّ الفعل من القبيح والحسن كخلوّ الشيء من العدم أو الوجود ، أو الموجود من القدم والحدوث ، والأمر فيه واضح ؛ لأنّ ما تجرّد حدوثه لو كان حسنا أو قبيحا لكان المقتضى مجرّد حدوثه ، وهذا يوجب قبح كلّ محدث ، وكذلك إن كان حسنا لمجرّد حدوثه يجب حسن كلّ محدث ، ولم يكن القبيح بأن يكون كذلك أولى من الحسن ، ولا الحسن بأن يكون كذلك أولى من القبيح للاشتراك في الحدوث الذي جعلوه كالعلّة ، وليس هذا ممّا ظنّوه في الوجود والعدم والحدوث والقدم ؛ لأنّ ذلك إثبات ونفي يتقابلان ، ولا واسطة بين نفي الصفة وإثباتها على سبيل التقابل ، وكون الشيء حسنا أو قبيحا يفيد كونه على حكمين ، وقد تخلو الذات الواحدة من الحكمين ، إذا خلت من أن تكون واقعة على ما يؤثّر في كلّ واحد من الحكمين من الوجوه ، وإن استحال خلوّها من نفي الصفة وإثباتها . وليس لأحد أن يقول : ألا حكمتم فيما لا صفة له زائدة على وجوده بأنّه عبث ، من حيث لا غرض فيه ؟ وذلك أنّ العبث هو ما صرف من الأفعال عن الوجه الذي من حقّه أن يوقع عليه ، وهذا لا يتمّ إلّا مع القصد وممّن هو قاصد ، والساهي والنائم يخرج فعلهما عن هذا الوجه ، فكيف يكون عبثا ؟ وأمّا مثال ما يخلو من القبيح والحسن من الأفعال ، فهو ما تقدّم ذكره من كلام الساهي والنائم ، وحركة أعضائه التي لا تتعدّى على غيره ؛ لأنّ الكلام إنّما يكون له حكم بالقصد ، فلهذا لا يقع من النائم الخبر ولا الأمر ولا سائر أقسام الكلام ، وكذلك الحركة إنّما تكون كسبا بأن نجرّ بها نفع أو ندفع بها ضرر ، مع ضرب من القصد ، فأمّا ما لا يفتقر إلى القصد أو الاعتقاد في قبحه أو حسنه فقد يقع قبيحا أو حسنا من الساهي والنائم ، وذلك نحو لطمته لغيره ، وانقلابه على ما أفسده من متاعه ؛ لأنّ حقيقة الظلم ثابتة في ذلك ، ولو أنّه حرّك يده على موضع الجرب فالتذّ بذلك صاحب الجرب لكان فعله حسنا ، من حيث كان نفعا ، وإن